ختم قادة مجموعة العشرين اجتماعات قمتهم المشحونة بالتصريحات وتضارب الآراء من الداخل والمظاهرات الاحتجاجية من الخارج بقرارات وصفها مراقبون بأنها قد تشكل تحولاً لفرض هيكل جديد للنظام المالي العالمي، وسيعقد قادة المجموعة اجتماعا آخر في الخريف المقبل. واتخذت قمة لندن مجموعة من القرارات لعل اهمها رفض الحمائية وضخ ما يعادل 5 تريليونات من الدولارات مع نهاية 2010 لتنشيط الاقتصاد العالمي، فضلا عن مساعدة الدول النامية، ووضع نهايات للملاذات الآمنة للتهرب من الضرائب.
يذكر ان مجموعة الدول العشرين تشتمل على اقوى الاقتصادات في العالم التي تستحوذ على 90% من الناتج الاقتصادي العالمي و80% من التجارة العالمية وثلثي سكان الارض.
وفي التفاصيل، أشاعت نتائج القمة اجواء من التفاؤل في اسواق المال والاقتصاد التي شهدت انتعاشا فوريا، فارتفع مؤشر كبرى الشركات الاوروبية بنسبة خمسة بالمئة بعد ارتفاع مؤشر نيكي الياباني بنسبة 4.4 بالمئة. وفي وول ستريت ارتفع مؤشر ناسداك المجمع بنسبة اربعة بالمئة وصعد داو جونز الصناعي بنسبة 3.6 بالمئة.
وقال الرئيس الأميركي ان الازمة المالية العالمية لن يتم تجاوزها عبر مقررات اجتماع واحد او اجتماعين، مشيرا الى ان قادة مجموعة العشرين سيعقدون اجتماعا اخر في خريف العام الحالي.
واشار اوباما في مؤتمر صحفي الى ان قمة مجموعة العشرين التي انعقدت الخميس مثمرة جدا وتشكل "تحولا" عبر اتخاذها "مجموعة جهود منسقة لا سابق لها".
وشدد اوباما على ان قمة العشرين اتخذت ايضا خطوات ضد "نظام الرقابة المالية الفاشل" الذي قوض الازدهار الاقتصادي في العالم، وانها "رفضت الحمائية التي من شأنها ان تساهم في تفاقم هذه الازمة".
وبما خص الدول الفقيرة اعلن الرئيس الاميركي مضاعفة المساعدات الغذائية الاميركية لافريقيا واميركا اللاتينية وباقي المناطق الفقيرة.
وتوصل زعماء مجموعة العشرين لاتفاق على ضخ تريليون دولار إضافية في الاقتصاد العالمي من خلال تمويل إضافي لمؤسسات مثل صندوق النقد الدولي.
وأعلن رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون ان القادة اقروا تمويلا إضافيا قدره 500 مليار دولار لصندوق النقد الدولي اضافة الى 250 مليار دولار لزيادة حقوق السحب الخاصة في الصندوق و250 مليار دولار لدعم التجارة. واعلن براون ان المجموعة ستنفق بحلول نهاية 2010 ما مجموعه 5 الاف مليار دولار لتحفيز الاقتصاد.
وقال براون بشأن مطلب رئيسي لفرنسا وألمانيا ان الزعماء اتفقوا "على وضع نهاية للملاذات الضريبية التي لا تنقل المعلومات بناء على طلب بذلك. وان سرية البنوك السابقة يجب ان يوضع لها حد."
وأضاف ان الزعماء اتفقوا على توجيه موارد جديدة تبلغ قيمتها تريليون دولار للاقتصاد العالمي عن طريق صندوق النقد الدولي ومؤسسات أخرى.
يشار الى ان قرار القمة بمضاعفة موارد صندوق النقد الدولي ثلاثة اضعاف، عبر مده بمبلغ 500 مليار دولار اضافية تتطلب تقديم "اموال جديدة" وحقوق سحب خاصة للصندوق.
كما اتفق القادة على السماح لصندوق النقد الدولي بتسييل احتياطيه من الذهب لمساعدة الدول الاكثر فقرا.
الملاذات من الضرائب
وفي مؤتمر صحفي، قال غوردون براون "اتفقنا على وضع نهاية للملاذات الآمنة من الضرائب لقد انتهت السرية التي كانت تعمل بها البنوك، وسنعمل على تحقيق الاستقرار في الأسواق المالية".
وقال براون ان القمة اتفقت على ان يصار فورا الى نشر قائمة بالدول التي لا تبدي تعاونا في مجال التهرب الضريبي.
ويتوقع ان تقوم منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بشكل عاجل بنشر لائحة بهذه الملاذات الضريبية غير المتعاونة.
ومن جانبها قالت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل الخميس خلال مؤتمر صحافي في ختام اللقاء ان القمة توصلت الى "تسوية تاريخية لازمة استثنائية".
كما اعرب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عن ارتياحه للنتائج التي خلصت اليها القمة في ضبط النظام المالي الدولي معتبرا هذه النتائج "اكثر مما كان يمكن ان نتخيل".
وقال ساركوزي "منذ بريتون والعالم يعيش على نموذج مالي هو النموذج الانجلو ساكسوني.. لست بصدد انتقاده فهو له عيوبه.. لكن من الواضح اليوم ان صفحة طويت" مشيرا الى المؤتمر التاريخي الذي انشأ النظام الاقتصادي بعد.
ورحب وزير المالية الالماني بير شتاينبروك بامتناع قمة العشرين عن فرض أي التزام على الدول لتبني اجراءات اضافية لتحفيز الاقتصاد. واثارت هذه المسألة توترا في الفترة التي سبقت القمة مع تأييد واشنطن اتخاذ مثل هذه الاجراءات في حين قالت المانيا وفرنسا انهما تفضلان اعطاء فسحة من الوقت لاجراءات التحفيز التي اتخذت في وقت سابق.
وفي تعليق له قال المدير العام لصندوق النقد الدولي دومينيك ستروس-كان ان القمة خرجت بقررات تشكل مجتمعة "اكبر خطة نهوض اقتصادي موحدة على الاطلاق".
وكان رئيس الوزراء البريطاني قد قال أن "هذا ليس وقت التملص من تعهداتنا وسنظل ملتزمين بها، وسنعمل على توفير المزيد من الوظائف الملتزمة بالمعايير البيئية".
وقال ان الزعماء اتفقوا على التحرك بسرعة لانهاء جولة الدوحة من المحادثات الخاصة بتحرير التجارة، مشيرا إلى انه تم الاتفاق على قواعد جديدة للدفع والحوافز.
البيان الختامي
الى ذلك ذكر البيان الختامي لقمة مجموعة العشرين ان اجراءات منسقة تعهدت بها دول المجموعة ستزيد الانتاج العالمي بنسبة 4% بحلول نهاية العام القادم.
واضاف البيان قائلا "اننا نتخذ اجراءات منسقة لم يسبق لها مثيل للتوسع المالي ستنقذ أو تخلق ملايين الوظائف ... وستصل قيمتها بحلول نهاية العام القادم الى 5 تريليونات دولار مما سيرفع الانتاح بنسبة اربعة في المئة ويسرع عملية الانتقال الي اقتصاد متوافق مع البيئة."
وقال البيان ايضا ان البنوك المركزية في مجموعة العشرين تعهدت بمواصلة سياسات للتوسع في الائتمان مادام ذلك ضروريا واستخدام جميع ادوات السياسة النقدية المتاحة
وطلبت مجموعة العشرين من صندوق النقد الدولي تسريع المبيعات من احتياطياته من الذهب لجمع اموال لمساعدة الدول الاكثر فقرا.
وكانت أعمال قمة الدول العشرين قد انطلقت في مركز (اكسل) الواقع في منطقة (دوكلاندز) في العاصمة البريطانية لندن، وسط اجراءات امنية مشددة.
وقد طفا الى السطح قبيل انعقاد القمة خلاف حاد بين المانيا وفرنسا من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة اخرى، إذ طالب المعسكر الاول بفرض قوانين وانظمة اكثر صرامة على النظام المالي الدولي، بينما رأى المعسكر الثاني ان الانفاق الحكومي من شأنه معالجة الازمة.
أسباب الأزمة
وقال دومينيك شتراوس كان مدير صندوق النقد الدولي إنه بالاضافة إلى زيادة المخصصات للصندوق فانه يجب معالجة أوضاع البنوك التي أدت إلى الأزمة الراهنة.
يذكر ان الازمة الاقتصادية قد ازدادت سوءا منذ القمة الاخيرة التي عقدها زعماء الدول العشرين في واشنطن في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم.
وتشير توقعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الى ان الاقتصاد العالمي سينكمش هذا العام للمرة الاولى منذ عدة عقود.