في السنوات التي تلت احداث 11 سبتمبر ايلول 2001 أطل موضوع الاصلاح رأسه على الساحة العربية واشتد الجدل حول موضوع الاصلاح المطلوب أميركيا والاصلاح المطلوب محليا من قبل شعوب المنطقة.
ولم يعد موضوع الاصلاح مجرد نظرية يتم تداولها بين المعلقين والمحللين بل اصبح حاجة ضرورية تطالب بها شعوب المنطقة ولكن التطور الهام ان الحكام من رؤساء وملوك ايقنوا اهمية الاصلاح وادركوا ان مستقبلهم يرتبط بالاصلاح والتغيير الحقيقي للأفضل. رأينا تطورات ايجابية في مجالات الاصلاح في الأردن والمغرب وتونس والبحرين والكويت والسعودية. وفي السنوات الأخيرة ظهر على الساحة العربية السياسية صوت اصلاحي هام وهو صوت د سيف الاسلام نجل الزعيم الليبي معمر القذافي.
د سيف الاسلام يرسم
خارطة المستقبل الليبية
في كلمة ألقاها الدكتور سيف الاسلام القذافي في الملتقى الثالث للشباب يوم الشباب الليبي في 20 أغسطس آب 2008 قال "نحن نعيش في غابة هنا في الشرق الأوسط وشمال افريقيا لا بد ان تعرفوها. نحن نعيش في غابة يعني في منطقتنا العربية هذه كلها تحكمها الدكتاتورية وانظمة وراثية والتعدي على حقوق الانسان وهذه حقيقة تعرفونها جميعكم"
" وقال ليبيا الغد مسؤولية الليبين جميعا".
هذا كلام هام جدا يحتاج الى دراسة وتأمل وتفكير.
أي متابع للملف الليبي يلاحظ باهتمام ظهور سيف لاسلام نجل الزعيم الليبي معمر القذافي على الساحة السياسية والاعلامية كناشط وناقد لا يتردد في توجيه اشد الانتقادات لنظام والده الذي حكم ليبيا لمدة 40 عاما عجاف. لا أحد يختلف مع سيف الاسلام ان ليبيا بحاجة الى الاصلاح والتغيير ولكن السؤال المطروح هل يستطيع سيف الاسلام التصدي لاصحاب المصالح والاجندات والذين يعارضوا الاصلاح والتغيير.
سيف الاسلام رئيس مؤسسة القذافي العالمية للتنمية والجمعيات الخيرية التي شاركت في عدد كبير من المشاريع الخيرية أعلن عن رغبته في اعتزال السياسة والعمل في الخارج. هذا القرار اثار استغرابات وتساؤلات كثيرة لأن عملية الاصلاح تتطلب وجود سيف الاسلام في الساحة الليبية لكي ينفذ الاصلاحات ويواجه ويتحدى من يعارض الاصلاح. الاصلاح الحقيقي لا يمكن تنفيذه بالريموت بل بالحضور والمتابعة واثبات الوجود في الحلبة.
من يرفض الاصلاح
لذا لا عجب أن يتعرض سيف الاسلام الى حملة منظمة لافشال برنامجه الاصلاحي وقد ينجح هؤلاء الا اذا تصدى لهم الشعب الليبي وطالب بالاصلاح بصوت مرتفع واصر على انهاء ظاهرة ما يسمى بالحرس القديم او المنتفعين والمستفيدين من الحالة القائمة وتفيد معلومات من ليبيا ان الغالبية العظمى من الشعب الليبي تؤيد عملية الاصلاح والتغيير التي يقودها سيف الاسلام. ونفس الغالبية لا تريد سيف الاسلام التخلي عن دوره السياسي حيث نشرت وسائل اعلام عربية وعالمية بتاريخ 17 يناير كانون الثاني 2009 نتائج استطلاع للرأي اجرته صحيفة "اويا" الليبية يتعلق بقرار انسحاب سيف الاسلام من الساحة السياسية. نتائج التصويت الذي شارك فيه 5230 شخصا جاءت كالآتي: 76% عارضوا قرار التخلي عن دوره السياسي و8% وافقوا عليه في حين ان 7% من المشاركين عبروا عن عدم اكتراثهم بالموضوع اصلا و9% احالوا القضية للشباب للنظر في الموضوع. وحتى لو سمحنا لهامش من الخطأ بنسبة 5% تبقى الغالبية التي تريد دورا سياسيا لسيف الاسلام في الشؤون الليبية أكثر من 70%.
الرغبة في الاصلاح
والتغيير ليس مسرحية
وصف بعض الساخرون حملة سيف الاسلام الاصلاحية بالمسرحية لكي يرث عرش ابيه. واتهام من هذا النوع هو تبسيط للأمور والسبب الرئيسي هو اذا اقتصر الأمر على التوريث لبقي سيف الاسلام ساكتا او اعلن الولاء والتأييد لوالده وانتظر الفرصة المواتية كتنحي الأب لاسباب صحية او التقاعد أو لأي سبب قاهر آخر. ولكنه رفض ذلك واعلن في أكثر من مناسبة عن رغبته في اعتزال العمل السياسي والسفر للخارج. والأهم من كل هذا هو شجاعته النادرة في فضح الفساد والبيروقراطية والاهمال وتردي احوال الناس وتدهور مستوى الخدمات الحكومية في ليبيا. هذا كلام مهم وكلام يأتي من النجل البارز للزعيم الليبي وليس من معارض في النرويج او الولايات المتحدة أو كاتب في لندن . والآن يأتي سيف الاسلام وبشجاعة وبوضوح يوجه انتقادات لاذعة لنظام طرابلس وبالعلن وعلى وسائل الاعلام العربية والعالمية. وهذه الجرأة تستدعي الثناء والتشجيع وليس السخرية والتشكيك. واعترف انني كتبت عددا من المقالات انتقدت فيها فشل النظام القائم في تقديم اي اصلاحات وانتقدت ادائه البائس في السياسة الخارجية التي جلبت الكوارث للاقتصاد الليبي.
ولكن هذا لا يعني ان نتجاهل دعوات الاصلاح والتغيير فقط لأن مصدرها نجل العقيد وهذا ما ينادي به الشعب الليبي والمعارضون. الموضوعية تتطلب فضح السلبيات والترحيب بالايجابيات وتشجيع برامج الاصلاح.
من يهتم لمصلحة ليبيا ومستقبل ليبيا يرحب بما يقوله سيف الاسلام. ولكن السؤال الذي طرحه بعض الليبيون من معارضين وغير معارضين "هل سيف الاسلام قادر على التنفيذ.؟" حسب قراءتنا نقول نعم الرغبة موجودة والنوايا موجودة ولكن المعارضة للاصلاح سوف لا تأتي من الشعب الليبي بل من أعمدة النظام واجهزته الأمنية والذين سيشعروا ان ما يقوله سيف الاسلام يهدد مصالحهم.
برنامج سياسي متكامل ومعركة شرسة
في كلمة القاها سيف الاسلام في اغسطس آب 2006 في بلدة سرت امام 15 الف نشط من الشباب وجه انتقادات علنية لنظام طرابلس تناولت الاخطاء الادارية والفساد وجشع القطط السمينة وتردي الحالة في القطاعات الصحية والتعليم وطالب بلاصلاح والتغيير. وانتقد غياب حرية الصحافة والاعلام. وهذا الكلام تكرره المعارضة الليبية في الخارج . (موقع العربية 10 نوفمبر 2006)
وقرأنا في صحف عربية وعالمية في يناير كانون الثاني 2009 ان سيف الاسلام يتمتع بشعبية كبيرة في صفوف الشباب والمثقفين. ويرى بعض المهتمين والمتابعين للملف الليبي ان سيف الاسلام يطرح برنامجا سياسيا متكاملا عبر تصريحاته ويولي سيف الاسلام موضوع حقوق الانسان والحريات العامة والتحول الى نظام ديمقراطي اهمية خاصة. كما أنه يطالب بصياغة دستور عصري يكفل حماية حقوق الانسان وسيادة القانون.
هذا الطرح من سيف الاسلام وجد ترحيبا كبيرا حتى من المعارضين والناقدين للنظام. والمطلوب الآن ترجمة هذه الافكار الايجابية الى تغيير فعلي على واقع الأرض. هل سيسمح العقيد معمر القذافي لابنه باستلام زمام الأمور وتنفيذ برامج الاصلاح والتغيير.
والسؤال هل يستطيع سيف الاسلام قلب الطاولة على النظام ونقل ليبيا بسرعة الى دولة عصرية حديثة؟
و يتوقع المراقبون ان سيف الاسلام سيضطر لخوض معركة شرسة ضد المعارضين للاصلاح والمتشبثين بمواقعهم التي تدر ربحا هائلا لجيوبهم الخاصة على حساب الشعب الليبي .
نشاطات على مستوى
دولي ونجاحات ديبلوماسية
تم استقبال سيف الاسلام في جامعة هارفرد وهي من أعرق معاقل العلم والثقافة في الولايات المتحدة وهو على علاقة ممتازة مع بعض رؤساء الجامعة وجاء تقرير بهذا الموضوع في صحيفة بوسطون غلوب في 22 يناير كانون الثاني 2009 وفي 26 يناير كانون الثاني 2009 نشرت صحيفة الاندبندنت البريطانية مقالا اشاد بمهارة سيف الاسلام الديبلوماسية.
ومن نجاحات سيف الاسلام هو اقناع والده بالتخلي عن اسلحة الدمار الشامل وتعويض ضحايا لوكربي من اجل فتح صفحة جديدة مع الغرب.
واجتمع سيف الاسلام مع وزيرة الخارجية الاميركية في شهر يناير الماضي لبحث تعزيز العلاقات الليبية الأميركية.
وذكرت شبكة سي ان ان الاخبارية CNN الأميركية ان مسؤول اميركي رفيع المستوى وصف سيف الاسلام بأنه وجه سياسي مهم وان علاقة ليبيا مع الغرب في تحسن مستمر.
لعب سيف الاسلام دورا كبيرا في فتح ابواب ليبيا للعالم الخارجي. ليبيا كانت بلدا محاصرا ومنبوذا نتيجة لسياسات مواجهة خاطئة.
مقابلة مع الشرق الأوسط
وفي مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط نشرتها الصحيفة في الرابع من شباط فبراير 2009 تحدث سيف الاسلام بصراحة وشجاعة ووضوح. تحدث عن وجود نواقص ومشاكل وخلل في النظام واعترف بتواجد اشخاص وجماعات تقاوم الاصلاح وتعرقله واعترف سيف الاسلام بوجود حالة متفشية من الفساد والفاسدين وابدى ستعداده لمعالجة ومواجهة هذه الظاهرة الخبيثة. وشدد على اهمية صياغة دستور حديث وخلق آليات لسيادة القانون.
مستقبل أفضل للشعب الليبي
حان الوقت للتغيير وحان الوقت للتحديث وخلق دولة عصرية حديثة تحترم حقوق الانسان وتنقل الشعب الليبي من الدكتاتورية الى الديمقراطية.
سيف الاسلام شاب متعلم ومعاصر ومن خلال نشاطاته الديبلوماسية والاكاديمية لامس عن قرب الديمقراطية الاوروبية والاميركية واحتك بنشطاء ومثقفين وساسة واكاديميين عرب وغربيين واكتسب فكرة واضحة عن ايجابيات الديمقراطية وسلبيات الانظمة الدكتاتورية التي تجلب الويلات للشعوب.
دعنا نعطي هذا الشاب التقدمي الذي يحمل أفكار نيرة فرصة لاثبات وجوده لكي يطبق مباديء الحرية وحقوق الانسان التي حرم منها الشعب الليبي .
حان الوقت للشعب الليبي ان يطالب بعودة سيف الاسلام ليلعب دوره من الداخل كقوة للتغيير والاصلاح. توقعاتي انه نزولا عند رغبة الجماهير سيغير د سيف الاسلام رأيه وسيعود الى ليبيا ويبقى في ليبيا لينفذ بنود خارطة المستقبل.