تصلني على بريدي الإلكتروني أو من خلال تعليقات القراء الكرام ردود أفعال متباينة و مختلفة لبعض ما أكتب من مقالات ، و تلك مسألة طبيعية و معروفة و تدخل ضمن طبائع الأمور و مقتضيات الأحوال ، بعض الرسائل و التعليقات تتضمن دون شك إنتقادات حادة مخالفة لرأي الكاتب و لكنها لا تكفره أو تستبيح دمه بل تدخل ضمن خانة الخلاف في الرأي الذي لا يفسد للود قضية ، أما ما أستوقفني حقيقة و أثار دهشتي رغم أنه لم يثر إستغرابي أبدا هي تلك الرسائل و التعليقات المتضمنة للتهديدات المبطنة أو العلنية التي يرسلها بقايا البعثيين من الذين لا يخجلون أبدا رغم هزائمهم التاريخية و الفضائحية من إستمرار لعب نفس الدور القمعي و الإرهابي الذي كان سائدا أيام سلطتهم السقيمة التي سقطت تحت حوافر خيل المارينز في واحدة من أكبر الفضائح في تاريخ الأنظمة السياسية في العالم ، فقد أرسل لي أحد هؤلاء المهددين و المتوعدين مهددا بالقول : إنه يشك في عروبتي!! و عراقيتي ، و أنه تبعا لذلك يعتقد إنني فارسي!!! لذلك فهو يتمنى أن يواجهني؟؟ لكي يلقنني درسا في العروبة و النضال؟؟!، و لا أدري ما علاقة الأصل الفارسي أو العربي أو البلوشي بالموضوع الذي نتحدث عنه وهو مسؤولية نظام صدام و البعث الذي يمثله عن الهزائم التاريخية التي أحاقت بالعراق و الأمة العربية ؟ إنني لا أتهم بدون قرائن أو أدلة ثبوتية بل من خلال إستعراض المسيرة التاريخية الفاشلة لأهل الرسالة العربية الخالدة التي لم تجد تطبيقاتها الدموية إلا في رؤوس العراقيين و العرب فقط لا غير !، و كانت حصيلة تجربتهم الدموية مريعة و رهيبة توجت بوضع العراق على طريق التفتت و التقسيم ، فحزب البعث في أخريات أيام النظام البائد قد إنتهى ليتحول لمؤسسة دينية سلفية بعد حالة ( الدروشة ) التي دخلها صدام حسين على إثر الهزيمة في رمال الكويت و الطريق المسدود الذي أوصل نظامه البلد إليه ، لذلك فقد إبتدع فيما بعد تصرفات غريبة تنم عن مرض نفسي مقيم من أمثال كتابة القرآن الكريم بدم الرئيس!! وهي فضيحة كبرى سكتت عنها المراجع الإسلامية في العالم!! و مرت مرور الكرام دون أن نرى أيضا أي تعليق من القيادتين القومية و القطرية للبعث أو من الرفاق و المرتزقة المؤلفة قلوبهم في العالم العربي!! ، ثم أعاد تراث الأخ ( قراقوش ) بتعميم العقوبات البشعة و المخالفة للمنطق و العقل و الحضارة و الإنسانية متمثلة في وشم الجباه و جدع الأنوف و تشويه الأعضاء البشرية و القتل و الإعدام الجماعي بطرق بشعة كما حصل في حملة تنظيف السجون المريعة منتصف تسعينيات القرن الماضي ؟ كل تلك الجرائم و البعث صامت صمت الموتى ، و البعثيون يقادون كالخراف نحو مسالخهم مما عجل ببداية النهاية لنظامهم الذي تحول من العلمانية و الإشتراكية للدروشة و الصوفية و الإغراق في المسائل الدينية التي تتجاوب مع مزاج القائد الذي كان ؟ فمجلس قيادة الثورة و القيادتين القطرية و القومية تحولت لمجموعة من ( الطراطير ) الذين يسبحون بحمد القائد ألأوحد الذي لا ترد إرادته و لا يعترض مشيئته أحد! ، و العسكريون من البعثيين لم يكونوا يمتلكون الجرأة لمصارحة القيادة بالحقائق الفظيعة و بتهرؤ المؤسسة العسكرية العراقية التي أكلها الحصار الطويل و أنهكتها الحروب الفاشلة و شتتها الهزائم الثقيلة ، و تحول النظام في أخريات أيامه لكتلة ضخمة و صماء من الجمود و التحجر كان من الواضح إنه تصلب الشرايين المؤدي للهلاك خصوصا في مراحل الحرب ألأخيرة التي كلفت خلالها قيادات بعثية مدنية لا علاقة لها بالحروب و الستراتيجيات بقيادة المناطق العسكرية و مواجهة الجيش الأمريكي و آلته الضخمة و قوته النارية الرهيبة بطريقة بدائية مضحكة !!، لم يكن أحد من البعثيين يمتلك الشجاعة و الجرأة ليوقف رأس النظام عند حده أو ليوضح له معالم الصورة خوفا من البطش و ليس خشية على مصير الشعب الذي حكموه ، عندما غزا صدام دولة الكويت في عام 1990 إعترض بعض الرفاق على ذلك الغزو و أعتبروه الطريق الذي سيؤدي لا محالة لدمار العراق وهو رأي أعلنوه بصراحة مطلقة فما كان من صدام إلا أن إعتقل هؤلاء و أصدر ضدهم أحكام قاسية رغم معرفته التامة بإخلاصهم له!!! ، و يبدو أن البعثيين قد أدمنوا الهزائم حتى باتت جزءا فاعلا من نسيجهم الحيوي و الوجودي ، و اليوم وهم يعيشون لحظات التشتت و مواجهة التاريخ يرفضون بالكامل الإعتراف بالأخطاء و يضعون كل الحق على النوايا السيئة للأطراف الأخرى متجاهلين مصائب قيادتهم بحقهم قبل الآخرين ، و يطلقون التهديدات ضد مخالفيهم مع وابل معروف من إتهامات العمالة وهي كلمات و صيغ فقدت معانيها الحقيقية و لكن قاموسهم الفكري و الأدبي لا يعرف غيرها! ، البعث أصبح على هامش التاريخ و في زواياه السوداء المظلمة ، و الماضي لن يعود أبدا ، و مسألة القيادات التاريخية الملهمة قد أضحت من نوادر التاريخ و متحجراته ، أما تهديدات أهل البعث الراحل فلا تعدو إلا أن تكون شهقات الإحتضار، فنقطة البداية قد أسدلت ستائر النهاية على واحد من أبشع مشاهد التاريخ العراقي المعاصر.
dawoodalbasri@hotmail.com