ما معنى التباكي على احتدام الصراع بين غزة ورام الله والإصرار على إجراء المصالحة بينهما، دون أن نسأل إن كان بالإمكان القفز فوق المشهد الفلسطيني المأساوي وتجاهل طرح الأسئلة الصعبة وذلك قبل تبادل القبلات ومصافحة الأيدي؟ فمنذ اتفاقيات أوسلو المليئة بالثغرات والتنازلات من قبل المفاوضين الفلسطينيين مروراً بالنفق المظلم للمفاوضات العبثية الهزلية، أصيب المشهد الفلسطيني بالغموض والتشوهات والتراجعات في المبادئ والثوابت بصورة متكررة، ودائماً نحو الانحدار واليأس.
وعليه أصبح لزاماً على الشعب الفلسطيني، إن كان يريد مساندة القوى الشعبية العربية لنضاله، أن يحسم أمر المشهد الذي يريد إعادة رسمه وأمر الجهات التي سيعهد إليها مسؤولية القيام بذلك الرسم. وسيخطئ شعب فلسطين إن اعتقد بإمكان جمع من يريد أن يرسم بفرشاة نظيفة وبتأن شديد مع من يحملون فرشاه قذرة ويرسمون بيد مرتعشة فوضوية طفولية. إن الشعب الفلسطيني عند ذاك يتسلى بالسياسة ولكنه لا يمارسها.
وإذن فالتصالح بين غزة ورام الله يجب أن لا يكون لذاته، وإنما يجب أن يكون مدخلاً لفهم متجدد واضح ولرسم جديد للمشهد الفلسطيني الذي يجب أن يقرأ من جديد. وبالطبع، فالرسامون الانتهازيون، الخائفون المتعبون، المهزوزو الأيادي، الفاقدون لملكة الخيال، الحاملون للرايات البيضاء لن يصلحوا أن يكونوا الراسمين لذلك المشهد. فهؤلاء رسموا في الماضي صورة المستقبل بالوحل وبالرمل، ولم يعرفوا قط معاني الصدق والصبر والمجاهدة في العمل والنحت في الصخر العصي.
تلك الصورة البشعة للمشهد الفلسطيني، والتي لا تحتاج إلى أن يشار فيها إلى أحد ولا أن يذكر اسم، قصد بها القفز فوق ممارسات الخطايا والتوجه مباشرة إلى الشعب الفلسطيني، ومن ثم إلى أمته العربية. إذ مطلوب من الشعب الفلسطيني أن يجيب بشتى الصور والأشكال على أسئلة محورية تكون الإجابات عليها هي الأساس لعملية التصالح تلك.
دعنا نأخذ كمثال موضوع العودة للوطن السليب ونطرح السؤال الآتي: هل العمل المشترك ممكن وسهل بين من يؤمنون بحق العودة لجميع الفلسطينيين لكل أرض فلسطين التاريخية وبين من يصرحون مراراً وتكراراً بأنهم يتفهمون الخوف الصهيوني من قبول عودة كل المشردين الفلسطينيين إلى أرض فلسطين المحتلة؟ كيف يمكن الجمع في عمل سياسي واحد بين من يرفض يهودية الكيان الصهيوني الاستيطاني ويسعى إلى إقامة دولة فلسطينية ديموقراطية تضم المسلمين والمسيحيين واليهود، وبين من قرر التضحية بحقوق العودة التي أقرتها الأمم المتحدة والتي هي أحد البنود في ميثاق حقوق الإنسان العالمي لستة ملايين من شعبه وأن يرفع علماً منكسراً على كانتون لا تزيد مساحته عن عشرة في المائة من أرض وطنه التاريخي؟
والأمر ذاته ينطبق على محاولة تحقيق التصالح والعمل المشترك بين من يقفون يومياً على أبواب التسكع واستدرار العطف وممارسة كل حركات طقوس التذلل والاسترضاء لهذا المجرم أو ذاك، وبين من يقفون في خنادق الملاحم وهم يقاتلون برؤوس مرفوعة وبتضحيات جسام هي بحق فوق طاقة البشر.
كل من يقرأ تاريخ الكفاح للشعوب يعرف جيداً أن جمع النقيضين في الأهداف والوسائل، في حب الوطن وعشق الحرية، في مشاعر الكبرياء ومشاعر الانتكاس، لا يؤدي إلا لفشل كفاح تلك الشعوب. فكيف إن كان ذلك الكفاح ضد عدو يريد استئصال شعب وهوية ودين وتاريخ بقعة يعتبرها منحة إلهية مقدسة أعطيت له من قبل إله شعبه المختار؟
لقد أصبحت القضية واضحة ولا تحتاج إلى وسطاء وإلى نادبي حظ. إنها قضية تحتاج إلى حسم من قبل كل الشعب الفلسطيني، سواء في كانتونات الضفة الغربية أم في الشتات. عليه أن يقول بصوت عال، ولديه ألف وسيلة لقول ذلك، إن كان يقف وراء غزة أم رام الله، ذلك أن الإمساك بوسط العصا لم يستطع قط دحر عدو همجي فاسق في أفكاره وأفعاله.