في مرحلة تاريخية سابقة, جمعت بين مصر بزعامة عبدالناصر والهند بزعامة نهرو,علاقات تعاون وصداقة وثيقة, علي طريق النضال من أجل التحرر والتنمية والتخلص من أغلال التبعية والتخلف وانتهاج طريق مستقل غير منحاز لأي من الأيديولوجيات والأحلاف العسكرية, التي سادت العالم في أواخر القرن الماضي.
لم تصمد هذه الفترة طويلا أمام العواصف الدولية الجارفة التي هبت بسقوط الاتحاد السوفيتي وحائط برلين, فتفتتت كتلة عدم الانحياز, واتجهت مصر بعد اتفاقية كامب ديفيد إلي أمريكا, بينما اتجهت الهند إلي تدعيم علاقتها مع موسكو, خاصة بعد أن فرض عليها الغرب حظرا اقتصاديا بسبب قيامها بأول تفجير نووي عام74 وكانت فترة تحول كبري, ضاعفت خلالها الهند من قدراتها النووية, ومن جهودها في الاكتفاء الذاتي من الغذاء والمحافظة علي نظام ديمقراطي يجنبها مخاطر التفكك والصراعات الطائفية.
ولا حاجة إلي القول إن العلاقات المصرية الهندية أصابها بعد ذلك قدر من الفتور, وانتهجت الهند سياسة براجماتية وغرقت مصر في علاقاتها الملتبسة مع أمريكا والغرب, بينما حافظت الهند علي علاقات متوازية مع الجميع, ولكنها لم تنعكس بصورة قوية علي العلاقات الشخصية التي عادة ما تربط بين القيادات السياسية.
ومن هنا تأتي أهمية زيارة الرئيس مبارك للهند, بعد فترة ركود وهي الزيارة الأولي منذ26 عاما, حيث كان من المقرر أن يتسلم جائزة نهرو للسلام والتفاهم الدولي وهي جائزة رفيعة دوليا, وكانت الدوائر الرسمية الهندية تبدي حرصها في مناسبات عديدة علي اتمام هذه الزيارة لوصل ما انقطع من العلاقات الحميمة بين البلدين, وللارتقاء بمستواها إلي درجة قريبة من العلاقات مع الصين.
وفي الآونة الأخيرة كثر الحديث عن تراجع الدور المصري في مجالات دولية عديدة, وبدا بالنسبة لبعض المحللين أن مشاكل مصر الداخلية وتركيزها علي العلاقات بأمريكا وأوروبا وإسرائيل قد أدي إلي إضعاف دورها وإن كانت سياسة مصر الخارجية قد استعادت حيويتها أخيرا بتحركات مهمة في لبنان والسودان.
غير أن العلاقات مع الهند تكتسب أبعادا أكثر أهمية بالنسبة لمراحل التطور السياسي التي قطعتها وما تحقق في تجربتها الديمقراطية من نجاح واستقرار, بحيث يمكن أن تكون نموذجا يحتذي, فقد يكون من الطبيعي أن تعلو نغمة الحديث عن المشروعات والاستثمارات المشتركة في الصناعة والبترول وتكنولوجيا المعلومات, أو في مجال إصلاح الأمم المتحدة ومواجهة أزمة الغذاء, والأزمة المالية العالمية..
ولكننا في مصر نستطيع أن نستفيد كثيرا من دروس تجربة الديمقراطية الهندية, سواء علي مستوي الأحزاب أو علي مستوي التعليم أو إدارة الحكم واللامركزية, فالهند بحكم تاريخها ودرجة تطورها وثقافتها أقرب إلينا من النماذج الغربية التي نعجز في معظم الأحيان عن فهمها وتطبيقها!