كما ان هناك تحولاً نحو اليمين في إسرائيل فإن هناك كذلك تحولاً نحو الواقعية وقد تجسد هذا التحول الأخير في التصريحات المتلاحقة التي أطلقها أيهودا أولميرت والتي أهم ما جاء فيها أنه أكد على ضرورة ان يتخلى الإسرائيليون عن حلمهم التاريخي الذي تبدد بالفعل وأن مشكلة القدس بالإمكان حلها على أساس الإنطلاق من ان حدود الدولة الفلسطينية المنشودة يجب ان تكون حدود الرابع من حزيران ( يونيو ) العام 1967 .
لم تعد لغة الإسرائيليين السابقة لا مقنعة لقطاع كبير منهم ولا قابلة للتسويق في العالم كله بما فيه أوروبا كلها والولايات المتحدة والشرق والغرب ولذلك وعلى عكس ما هو متداول فإن هناك الآن فرصة حقيقية وجدية للسلام على المسارين الفلسطيني والسوري والشرط هو ان يعرف العرب كيف يتصرفون مع معطيات هذه المرحلة المستجدة وأن يتدخلوا فعلياً لإنهاء هذا التمزق المخزي الذي تعاني منه الحالة الفلسطينية .
كل العالم بات مقتنعاً بضرورة حل أزمة الشرق الأوسط على أساس قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة والإستمرار الى جانب دولة إسرائيل والواضح بل المؤكد ان غالبية الإسرائيليين قد ملَّت هذا الصراع و زهقته وأن الإدارة الأميركية الجديدة ستعطي هذا الصراع أهمية قصوى رغم ان الرئيس المنتخب باراك أوباما كان قد حدد أولويات إدارته على ان الأزمة المالية والإقتصادية المتفاقمة أولاً وأن أفغانستان والعراق ثانياً .
يجب عدم الخوف إطلاقاً من إستعانة باراك أوباما بعدد من اليهود الأميركيين وتعيينهم في مواقع رئيسية في مفاصل إدارته من بينهم رام عمانوئيل ودينيس روس ومارك إندك فهؤلاء بحكم تجاربهم وخبراتهم باتوا يدركون ان العالم ملَّ هذا الصراع ، صراع الشرق الأوسط ، وأن غالبية الإسرائيليين قد زهقته وأن اليمين الإسرائيلي يسبح ضد التيار ويتمسك بزبد البحر خوفاً من الغرق وأنه لا مجال للتنصل من إستحقاق الدولة الفلسطينية المستقلة وإستحقاق إلغاء قرار ضم هضبة الجولان والإنسحاب من كل الأراضي السورية المحتلة .
هناك معلومات تشير الى ان باراك أوباما سيسلم ملف الشرق الأوسط للسياسي الأميركي المخضرم دينيس روس وإنه سيستعين بكل من مارك إندك ومادلين أولبرايت وهؤلاء الثلاثة هم كما هو معروف يهود مؤيدون لإسرائيل لكن هذا يجب ألا يخيف لا الفلسطينيين ولا العرب فـ التـَّصهْين في أغلب الأحيان هو أخطر من الصهيونية وشخص مثل رامسفيلد ومثل ديك تشيني هو أشد خطراً من شخص مثل رام عمانوئيل المتحدِّر من عائلة إسرائيلية شديدة التطرف والذي كان خدم في الجيش الإسرائيلي لبضعة شهور خلال حرب الخليج الثانية .
لقد ترددت معلومات تناقلتها الصحف ، أغلب الظن أنها صحيحة ، تقول ان دينيس روس أقنع باراك أوباما بأن يضع حل صراع الشرق الأوسط على رأس أولوياته وأن يعطي إعتباراً زائداً للمبادرة العربية وهذا يجب ألا يكون مستغرباً فهذا الرجل الداهية يعرف ان عزل إيران وترويض طموحاتها الإقليمية يتطلب إحراز خطوات فعلية بالنسبة لعملية السلام ويتطلب إنعاش الوضع العربي ليأخذ العرب دورهم المفترض في رسم الخارطة الشرق أوسطية الجديدة .
إنه لابد من الإستجابة وبسرعة لهذه التوجهات العالمية ومن بينها التوجهات الأميركية وإنه لابد من النظر الى الموقف الإسر ائيلي الفعلي ليس على أساس صراخ اليمين المتطرف بل على أساس حقيقة ان الإسرائيليين بغالبيتهم قد ملوا هذا النـزاع و زهقوه وأنه عندما يعلن بنيامين نتنياهو أنه إذا فاز في الإنتخابات الإسرائيلية المقبلة فإنه سيستمر بعملية السلام فإنه ينطلق من هذه الحقيقة وأنه يحاول من خلال هذا الإعلان تقديم أوراق إعتماد للأميركيين الذين كانت لتوجهاتهم دور مؤثر في إبعاده عن رئاسة الوزراء في المرة السابقة .. وتفاءلوا بالخير تجدوه !! .