تتناسل روايات الشبكات الإرهابية والعميلة وقصصها ووقائعها في يوميات الصحافة والاعلام اللبنانيين على نحو غير مسبوق مغرقة الرأي العام المتلقي بكمّ غير قابل للهضم والفهم والمعرفة الدقيقة لفرط ما يتدفق عليه من قصص وتفاصيل وجزئيات.
بعض كثير من هذه الظاهرة يرسم عنوانا مستجدا للواقع اللبناني الموصول بدوره بواقع سوري في المسألة الامنية خصوصا منذ حصول تفجير شارع القزاز في دمشق في ايلول الماضي. ولكن بعداً آخر من الظاهرة يُطمس طمساً مخيفا بصرف النظر تماما عن اي مضمون واي صدقية واي دقة للروايات المنهالة على الرأي العام.
المسألة هنا تتعلق بالشكل اكثر منها بالمضمون في واحدة من اخطر القضايا التي تشكل مؤشرا الى "حالة الدولة". هذه الظاهرة تمثل نقطة اعتداد للاعلام والصحافة في لبنان من حيث قدرتهما على التحكم بهامش حرية مفتوح غير محدود حتى بمعايير السرية القانونية والاصول المهنية في بعض الاحيان. مثل هذه "المواسم" الخصبة غالبا ما تثمر منافع معنوية عالية جدا لاعلام وصحافة يتباهيان باستئساد حقيقي على الممنوعات والمحظورات ويحتفظان بقصب السبق في منافسة الاعلام المحيط ذات الصيغة الموجهة والاحادية في خدمة الانظمة.
لكن في المقلب الآخر من الظاهرة يقبع مشهد كئيب تاعس ينذر في مكان ما بكشف واقعين خطيرين على الاقل في صورة "الدولة" التي تحاول بشق النفس ان تقلع من الاساسيات والبدايات البديهية لأي "مشروع دولة".
فثمة اولاً، واقع اجهزة امنية لا يزال رغم بعض التجميل و"الرتوش" يعاني من فصامات وحمايات ووصايات سياسية داخلية تتمظهر غالبا، وإن بأنماط أكثر "احتشاما" من السابق، في فرز لا يوحي وحدة الدولة ولا وحدة النهج الامني. وهو واقع ينكشف تماما مع الكثير من الوقائع الاعلامية التي تبدو نتيجة تلقائية لتصنيف المصدر والمعلومات في آن واحد في خانة سياسية – امنية – اعلامية ذات اتجاه واحد، مما يعني ان الجانب الامني بدوره لا يزال خاضعا لموجبات الصراع السياسي والفرز داخل الاجهزة نفسها، فتذهب الوقائع مذهب السياسة في الامن كما في سواه من المجالات العامة.
والامر الآخر الذي يفوق سابقه خطورة هو مآل القضاء وواقعه ومصيره وسط اشد الاختبارات قسوة التي يتعرض لها. فلا مغالاة في القول ان واقع القضاء راهنا ينذر بآثار دراماتيكية مريعة على السلطة القضائية فيما هي في عين العاصفة تماما. وسواء كان الامر بفعل تواطؤ جهنمي يراد عبره شلّ هذه السلطة من خلال منع تنظيماتها الداخلية من الاكتمال عبر التشكيلات المجمدة والفراغات المستمرة في مختلف سلم المناصب، او بفعل وهن مزمن متراكم بألف سبب وسبب، تبرز المأساة الحقيقية عبر صمت المرجع الوحيد الذي يحق له الكلام الحاسم والفاصل في كل هذا الدفق المريع للكلام والمرويات والوثائق والمحاضر.
في الشكل فقط لم يسأل احد بعد: كيف يجري كل ما يجري وصاحب الصلاحية والمرجع القضائي صامت والروايات تأخذ الوان مصادرها الامنية – السياسية؟ أفلا يعني ذلك في اقل التقديرات ان "الدولة" في صورتها الحقيقية لا تزال في صفوف المتفرجين تملأ فراغها بالروايات المشوقة؟