عندما اقتلعت القوات الاميركية نظام صدام حسين تصاعدت المخاوف لدى دول عدة في المنطقة. ثمة من خاف من احتمال قيام ديموقراطية عراقية غربية الملامح تشكل تحريضا او سابقة او نموذجا جاذبا. وهناك من تخوف من قيام نظام تابع للولايات المتحدة يمكن ان تنطلق في ظله لتأديب بعض جيرانه. وتوقع البعض ان يقيم الاميركيون طويلا فوق الحقول العراقية. وان يبرموا مع السلطات في بغداد اتفاقات لإقامة قواعد عسكرية دائمة ستشكل بالتأكيد انتهاكا لسيادة العراق وقدرته على القرار المستقل. وأي متابعة دقيقة للتطورات العراقية تظهر ان هذه المخاوف لم تعد مبررة. وأن المسؤولين العراقيين يملكون من الجرأة والقدرة ما يكفي لقطع الطريق على اي سيناريو يرمي الى ارتهان القرار العراقي. وتبين ايضا ان تركيبة العراق بتنوعها القومي والمذهبي تملك القدرة على مقاومة اي محاولة لدفعه بعيدا عن هويته ومصالحه.
عندما تعثرت الآمال الاميركية المتسرعة التي اطلقت عشية الغزو تبين ان ايران هي المستفيد الكبير من اسقاط نظام صدام حسين في العراق ونظام "طالبان" في افغانستان. تصاعدت المخاوف. ثمة من اعتقد ان العراق الجديد سيكون مجرد دولة ملحقة بإيران. وان ايران تسربت الى داخل النسيج العراقي. وانها باتت تمسك بالقرار في بغداد او تمتلك على الاقل حق النقض هناك. وان العراق سيكون مجرد ورقة يحركها المفاوض الايراني حين تأتي ساعة إبرام الصفقة الكبرى مع اميركا. واذا كان لا يمكن إنكار حجم النفوذ الايراني على الساحة العراقية فإن تطورات الشهور الماضية اظهرت استحالة تحول العراق الى مجرد ملعب آمن للنفوذ الايراني. اظهرت ايضا استحالة ان يحكم العراق من ايران. وأكدت ان تركيبة العراق المتنوعة تملك قدرة على مقاومة تغيير لون العراق ودفعه الى خيارات تتناقض ومصالحه.
ادى شطب العراق من المعادلة الى خلل خطير في التوازنات. خلل داخل المثلث العراقي التركي الايراني. وخلل في التوازن الذي يفترض ان يكون قائما بين ايران والدول العربية الخليجية. وخلل على مستوى الاقليم بين الدور العربي فيه والادوار غير العربية. وأضعف بالتأكيد محاولة الحديث عن توازن ما في النزاع العربي - الاسرائيلي. ولهذا بدا ان أي تكريس لغياب العراق يمكن ان يتحول نكبة عربية. فالعراق ليس دولة هامشية يمكن التساهل بمصيرها او التعايش مع تفكيكها والاحتماء من مخاطر هذا التفكيك.
عودة الدولة العراقية هي حاجة عراقية أولاً. وهي حاجة عربية ثانية خصوصا بعدما هدد التنازع المذهبي في العراق بإطلاق رياح الطلاق في المنطقة ما يهدد استقرار اكثر من دولة وينذر بحروب لا تنتهي. وبدا واضحا ان عودة الدولة مرهونة بالابتعاد عن ذهنية الثأر المدمرة لدى من اعتبر منتصرا ولدى من اعتبر مهزوما. ظهر ان المصالحة الوطنية هي الخيار الوحيد وان نجاة العراق من الكارثة تبدا بالتسليم بضرورة قيام عراق يتسع لكل ابنائه ومكوناته فلا يعالج غبن سابق باستحداث غبن جديد.
من يتسنى له الاستماع الى المسؤولين العراقيين على اختلاف ميولهم ويتابع التطورات القائمة على الارض يكتشف ان العراق حقق خطوات لا بأس بها على طريق الافلات من سيناريوات الكارثة. ففي الشهور الاخيرة سجل منطق الدولة تقدما صريحا على حساب المنطق الفئوي الذي حكم بعض الممارسات السابقة. وأخذت في التبلور ارادة عراقية ترفض ان يكون العراق قاعدة اميركية او اداة ايرانية وتسعى الى عراق متصالح مع نفسه ومع جيرانه مجددا انتماءه العربي ومانحا المكون الكردي ما يطمئنه ويبقيه جزءا من العراق الفيديرالي.
في هذه المرحلة الانتقالية التي يعيشها بدا العراق محتاجا الى الاحتضان العربي. فهذا الاحتضان يضاعف رغبته في استكمال طريق المصالحة الداخلية. ويساعده على التفاوض من موقع افضل مع اميركا وايران وتركيا والدول الاخرى. ولا يرمي الاحتضان العربي بالتأكيد الى قيام عراق معاد لايران. فهذا الأمر متعذر وغير مطلوب وغير مفيد. انه يرمي الى عودة العراق دولة طبيعية يصنع قرارها في بغداد بعيدا عن الاملاءات والتهويل. ومثل هذا العراق سيفتح الباب لتصحيح الخلل الذي ولد بفعل شطبه من المعادلة.
ان العراق الذي يتقدم نحو استكمال مصالحته الداخلية يستحق احتضانا عربيا فاعلا. في هذا السياق يمكن فهم زيارة وزير الخارجية المصري احمد ابوالغيط الى بغداد امس. وقبلها زيارة وزير خارجية الامارات الشيخ عبدالله بن زايد. وزيارة العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني وزيارات اخرى. ان الحضور العربي في العراق حاجة عراقية وعربية ملحة.