لا أظن أن الكاتب العربي يملك من فائض الوقت ومن رفاهية المساءلة ما يدفعه الى مراجعة حياته ، حتى لو استمع الى أغنية عبدالوهاب القديمة المتجددة.. أنا من ضيع في الأوهام عمره.
الكتابة ليست مجرد سلعة مقابل أجر ، سواء تقاضاه العامل قبل أن يجف حبره وعرقه أو بعد ذلك ، انها شهوة للتغيير ، وبالتالي صراع لا يعرف التهاون مع واقع تكاثرت العصي الغليظة بين دواليبه.
وبأدنى مقاربة بين الكاتبين العربي والغربي نجد أن هذه النقطة التي قد تسقط سهواً من قلم غير محكم الاغلاق ، قد تختصر محيطاً لأن صورة الكاتب في الغرب مغايرة تماماً ، ولا يختلط حابلها بنابل الكتابة على أبواب المحاكم والأحوال المدنية أو حتى الحُجب ، حيث لا زلنا نسمى المنكود الذي لا يحالفه الحظ مكتوباً له،،
لن أتحدث عن الأجور أو عدد القراء أو حتى عن المكانة ، لأن هذه الأقانيم ليست من عالمنا على الاطلاق ، ويهمني هنا أن أتوقف قليلاً عند نفوذ الكتابة ، أو قدرتها على التغيير..
أليس من حق القارىء العربي أن يتساءل عن جدوى عشرة آلاف مقال لكاتب ما استغرقت عمره كله وانتهت الى سفن ورقية في غدير منسيّ لا تيار فيه ولا أمواج؟
قرأت ذات يوم عن كاتب كان يجلس في مكتبة تباع فيها الصحف ، وسمع حواراً عابراً بين اثنين تردد فيه اسمه ، وحين تأكد بأن أحدهما قال لصاحبه بأنه مات منذ زمن طويل قرر الاقلاع عن الكتابة.. وبعدها بشهر واحد قرر الاقلاع عن الحياة،
ان ثقافتنا العربية منذ الجذور فاضلت بين نفوذ الكلام ونفوذ الأفعال خصوصاً إذا صدرت عن الأقوياء لصالح هؤلاء الأقوياء ، لهذا حلم أهم شاعر في تاريخ العرب بالسلطة ومدح وذم وتشرد في سبيلها رغم أنه لم يظفر بها وأخيراً اعترف بأن لسانه قد قتله..
كان المتنبي يقول أن لسانه من الشعراء أما فؤاده فهو من طبقة أخرى ، وثمة شاعر عربي آخر سبق المتنبي بزمن طويل أوصى أبناءه وأحفاده لمن تدركهم مهنة الأدب والكتابة بالمسألة وحين سئل عما يقصده بالمسألة قال الكدية أو التسول.. وليس ما كان يعنيه شكسبير مثلاً عندما يربط المسألة بالكينونة والعدم،
الكتابة تحولت في عالمنا العربي المزهو بأميّته الى عادة علنية لا أكثر ولا أقل ، وأدى فقدان الصدّقية الى الطلاق البائن بين المقول والمفعول ، لهذا فان ما يسفح يومياً من الحبر والورق يكفي لتغيير لون الماء في النيل ودجلة والفرات وبردى ، أو ما تبقى من هذه الأنهار في يابسة العرب،
ان تواطؤ ما يحول دون طرح هذه الأسئلة على الذات والآخر ما دام الأمر قد انتهى الى مقايضة أوراق بأوراق ، شرط أن تخلو هذه الأوراق من أية جملة معترضة في السيّاق الرّمادي.
لقد زحف منطق أكل العيش على الثقافة بعد أن قضم كالدود السياسة ، ولا أدري كم من الحبر وأطنان الورق سيبدد قبل أن نتجرأ على مجابهة هذا السؤال المحظور وهو ما جدوى قراءة المزامير وما جدوى الثرثرة المدوّنة والملوّنة في عالم ينظر الى الثقافة برمتها كعجلة خامسة في سيارته أو أصبع سادس في قبضته أو جهة خامسة لا يرد ذكرها في نشرة الأخيار؟،