شاءت الصدفة أن يصل الموفد الأميركي ديفيد هيل الى بيروت في وقت تبلغ فيه المصالحة المارونية - المارونية ذروة حيويتها. ومع أنه لا توجد علاقة مباشرة بين الحدثين، فإن المصالحة المسيحية هي الأكثر شبهاً بزيارة (الضيف) الأميركي، على الأقل من حيث العنوان المفرح لكل منهما، والمضمون الصعب لهما معاً في آن...
***
لا قيمة لأية مصالحة ما لم تغير فعلاً ما في النفوس بما ينعكس ايجاباً على السلوك والمواقف. وعقدة (القوات - المردة) يتعامل معها الطرفان بأسلوب رفع العتب أمام الآخرين بالتظاهر بقبول المصالحة، أكثر من الرغبة الفعلية بالمصالحة نفسها. ومن الأفضل للطرفين وللقائمين بمساعي الخير تحديد الهدف بوضوح ودقة، وهو التوصل الى تفاهم ينظم التعامل بينهما بروح التنافس السلمي بعيداً عن العنف، وإن بقي ما في النفوس في النفوس.
***
أما زيارة الموفد الأميركي ديفيد هيل فهي في مضمونها أشبه بـ (النكتة البائخة)، وبخاصة عند عنوانها المتعلق بـ (تسليح) الجيش اللبناني. وإذا كانت أميركا تقدم المساعدات العسكرية لاسرائيل بالمليارات فذلك لأن مفهوم (العدو) و(الارهاب) موحد بينهما. وليس بين لبنان وأميركا أي مفهوم موحد حول هذين الموضوعين. وما تعتبره أميركا عدواً وارهابياً في لبنان لا يجد سنداً له من أي طرف لبناني مهم على المستوى الشعبي، ولا أيضاً على المستوى الرسمي.
***
نصدق الادارة الأميركية عندما تقول وتشدد على ثبات سياستها والتزاماتها حيال لبنان ودعم سيادته واستقلاله، وان ذلك ليس عرضة للتغيير أو التبديل تحت أية ظروف داخلية في أميركا... ولكن ماذا باستطاعة أميركا أن تفعل، فـ (العين بصيرة، ويدها قصيرة) في لبنان تحديداً، وفي المنطقة بصورة عامة...
***
اعتادت أميركا على الأخذ دون حساب والعطاء بمقدار محسوب، بقوة السلاح وهيمنتها الدولية. وذراع أميركا العسكرية في المنطقة ومنها لبنان، هي اسرائيل. وهذه الذراع مشلولة الآن والى أجل غير مسمّى في ظل التوازنات العسكرية الراهنة، مما يحمل على الاعتقاد بأن (حرب تموز) هي آخر حروب اسرائيل في لبنان!