يتقدم المسلحون من بين السيارات والعوائق باتجاه مواقع خصومهم، مزودين بأسلحتهم الفردية التي أحسنوا تذخيرها، ويحرصون إستخدام أجهزة الاتصال والإشارات الصوتية واليدوية، وينقضون على مواقع "العناصر المناوئة" الذين تحصنوا بدورهم خلف بعض الموانع، ليقع "تبادل عنيف" لإطلاق النيران لا يوفر "الأبرياء" من المارة.
إنه باختصار مشهد أيام العيد في العديد من شوارع العاصمة اللبنانية بيروت، حيث قرر الأطفال مواصلة لعبة الكبار التي بدأت قبل أشهر وتستمر ذيولها، رغم "المصالحات" وأجواء الحوار.
فالبنادق البلاستيكية هي اللعبة الأكثر انتشاراً دون منازع في المدينة اليوم، وخاصة من النوع الذي يطلق كرات صغيرة غير مؤذية في الظاهر، وإن كانت ألوانها الفاقعة عاجزة عن إخفاء "الأحقاد" التي تملئ القلوب والشوارع.
وتقوم لعبة "حرب الأطفال" على مجموعات تتوزع وفق الانتماء السكاني للمباني والأحياء، حيث تحرص كل مجموعة على تحديد منطقة نفوذ، وتمنع الآخرين من الاقتراب منها، وإن كلف الأمر تبادل رشقات من الكرات البلاستيكية، ففي نهاية المطاف يبقى الدفاع عن "المنطقة" هو الأهم.
ويكمن الاختلاف الأساسي بين "حرب الأطفال" وتلك التي يخوضها الكبار في أن الخسائر لن تتجاوز - لحسن الحظ - صراخ الجيران الذين يبحثون عن لحظات الراحة في الأحياء المزدحمة، أو حصول بعض الخدوش هنا أو هناك، إلى جانب عمليات "الأسر" التي قد يتعرض لها عدد من "المقاتلين" غير المحظوظين.
على أن الأسباب التي تقف خلف الحربين تبقى هي ذاتها، فحق الأولوية في الحصول على مكان للعب توازي تسلّم سدة الحكم لدى الأطفال.
أما باحة المبنى الخلفية فتعادل في أهميتها الوطن بأسره بالنسبة لصغار، يغيظهم فقدان مساحات اللهو وسط غابات الباطون.
كما يبرز - ضمن نقاط التشابه أيضاً - إلقاء اللوم دائماً على "الطرف الآخر"، حيث يؤكد أحمد، 9 سنوات، الذي "امتشق" بندقيته البلاستيكية، وتخفّى خلف لثام، أنهم "يدافعون عن أنفسهم فقط"، وأن "أولاد المبنى الآخر" هم من تعرضوا لهم أولاً، كما سبق لهم أن سرقوا كراتهم التي تسقط خلف الجدار الفاصل بين المبنيين.
ولطالما كان السلاح لعبة مفضلة للصغار (وللكبار كذلك) في لبنان، غير أن ألعاب هذا العام حملت من العنف والانتشار ما لفت نظر الكثير من المراقبين، خاصة وأن ذلك يأتي بعد مواجهات مايو/ أيار الماضي التي ذهب ضحيتها عشرات القتلى والجرحى في مواجهات بين قوى مؤيدة للحكومة وأخرى معارضة لها، سرعان ما اتخذت طابعاً مذهبياً.
والملاحظ أن ألعاب السلاح ظهرت بكثرة في الأحياء التي شهدت اشتباكات عنيفة وتوتراً أمنياً زائد خلال الأشهر الماضية، بينما تراجع حضورها نسبياً في الأحياء الأخرى، الأمر الذي يظهر انعكاس الوضع الأمني على ذهنية الأطفال ونفسيتهم.
خبيرة التربية، منال بياضو قالت لموقع CNN بالعربية: "لا يمكن عزل الأطفال عن محيطهم، فهم يعيدون تكرار ما شهدوه طوال أسابيع من التوتر الأمني، ويقلدون الكبار الذين قاموا بأدوار مماثلة تناقلتها شبكات التلفزة."
ولفتت بياضو إلى أن هذه التصرفات تعكس اضطرابات نفسية لدى الأطفال وشعوراً بالقلق، محذرة من أن هذا السلوك قد يزيد من نزعات العنف والاحتقان لدى صغار السن خلال نضجهم.
وبالعودة إلى معركة محمد ورفاقه الذين لم يقبلوا التحدث إلي، إلا بعد أن ادعيت أنني مقرب من جهة سياسية نافذة في منطقتهم، فقد تمكنوا من السيطرة على المبنى المجاور بعد مواجهات "طاحنة" لم تسفر عن شيء على أرض الواقع، فخصومهم سيبقون في مبناهم ما دام ذويهم يقطنونه، فالتعايش هنا - كما في سائر أنحاء لبنان - أمر واقع بحكم التاريخ والجغرافيا.
لكن التسوية تمت عبر سلسلة معقدة من التنازلات وتدخلات الأقارب تتيح للجميع "حق اللعب،" بانتظار جولة جديدة قد يخوضها الأطفال في مرحلة عمرية أكثر تقدماً، قد يتيح لهم الوضع اللبناني فيها استخدام أسلحة لا تكتفي بإطلاق الكرات البلاستيكية الملونة التي تغطي اليوم شوارع بيروت، ويمكن لهم أن يتذرعوا حينها بالمثل القائل، من شابه أباه ما ظلم.