رغم تعاقب السنين و الأيام وحدوث متغيرات كونية كبرى خلال العقود الأربعة الأخيرة من تاريخ العالم المعاصر إلا أنه تظل لبعض الأيام و المناسبات و الأحداث قدسية خاصة و ألق تاريخي لا يمكن أن يمحى من ذاكرة الشعوب الحية التي تعيش الهزائم و الإنتصارات و تظل تمارس الفعل التاريخي رغم كل المتغيرات ، و يحتل يوم السادس من أكتوبر لعام 1973 الذي وافق حينها للعاشر من رمضان بالتقويم العربي و يوم الغفران ( كيبور ) بالتقويم العبري أهمية إستثنائية و خاصة ليس في العقل العربي فقط بل في مجمل الذاكرة الستراتيجية الكونية نظرا للمفاجأة الصاعقة التي حملتها أحداث مساء ذلك اليوم التاريخية و للمتغيرات البنيوية العميقة التي حدثت في المنطقة و العالم بسبب تفاعلات أحداث ذلك اليوم الخالد في التاريخ العربي و الحاسم في مسيرة إدارة الصراع العربي / الإسرائيلي و هو اليوم الذي رسمت أحداثه دماء و تعرجات و متغيرات على رمال سيناء و صخور الجولان و على سايكولوجية شعوب الشرق الأوسط بشكل عام .
لقد كان قرار كسر حالة اللاحرب و اللاسلم التي أعقبت هزيمة الخامس من حزيران / يونيو المذلة و المخجلة عام 1967 عبر قرار و فعل العبور العظيم للجيش المصري لقناة السويس و تحطيم أسطورة ( خط بارليف ) و تحرير الضفة الشرقية للقناة و تمريغ أنف قادة جيش الدفاع الإسرائيلي في الوحل لأول مرة في التاريخ المعاصر و كسر أسطورة السوبرمان الإسرائيلي التي تهاوت كعصف مأكول في ذلك اليوم الخريفي العظيم من عام 1973 و الذي جاء كثمرة جميلة لمعاناة و عمل و إستعداد دام سنوات طويلة لغسل عار الهزيمة و محاولة إزالة آثارها و إعادة الثقة للجندي و الإنسان العربي بعد عقود من الذل و الهوان و خداع الأنظمة الفاشية و القمعية المهزومة و المتأزمة ، حرب أكتوبر كانت فعلا تحرريا عظيما لم يتسن له أن يأخذ مكانه الحقيقي من التكريم و التخليد فقد توحدت فيه و خلاله الأمة العربية لأول مرة في تاريخها المعاصر و تحقق تضامن عربي رسخ صورة الإنتصار العسكري ووضع القضية الفلسطينية برمتها أمام عيون العالم بسبب تداعيات ألأزمة البترولية الدولية في ذلك العام و التي كرست القيمة الحقيقية للبترول العربي و حيث تغيرت بعدها كثير من المعطيات الإقتصادية و السياسية على المستوى الكوني ، لقد كان لعبور الجندي المصري لضفة النصر أبعاد كبرى كما كان لصعود الجندي السوري و العراقي و الأردني و السعودي و الكويتي و المغربي لذرى الجولان معاني سامية خلدت مبدأ و حدة الدم و المصير و أسست لتضحية و ملحمة نضالية كبرى في تاريخ المنطقة ، الحرب لم تكن نزهة ، كما أن القيادة العسكرية المصرية خصوصا كانت تعلم حدود القوة و مستوى الإمكانيات المتاحة لذلك لم تطرح شعارات ساخنة بل حددت توجيهات ستراتيجية واضحة كان محورها و عمادها أن تحرير الأرض السليبة و المحتلة هو أمر لا بديل عنه كما أن حالة اللاحرب و اللاسلم لا مكان لها في الواقع السائد بعد أن أضحت هزيمة 1967 من أفعال الماضي المنسية ، كما أن كسر الحاجز النفسي و تحقيق المفاجأة و الإمساك بزمام المبادرة العسكرية للمرة الأولى في التاريخ الحديث كانت من أهم الوقائع التي تحققت ، لقد دخلت تلك الحرب بأطوار و تبدلات و متغيرات تراوحت بين النصر الكامل و الإنتكاسات التكتيكية ، و لكنها أكدت بأن الحرب مهما كانت نتائجها لا يمكن أن تكون بديلا عن السلام العادل و الشامل و الذي يحقن الدماء و يحقق في النهاية ما عجز المتحاربون عن تحقيقه في الميدان ، لقد كان واضحا منذ الصولات الأولى و عبور القناة بأن هنالك مديات لن يتم تجاوزها فالهدف المركزي كان تحريك الموقف الجامد و إفهام العقلية الإسرائيلية العسكرية المتغطرسة بأن نظرية الحدود الآمنة هي نظرية خيالية محضة فلا شيء يمكن أن يمنع حرية الشعوب و عزمها على تحرير أراضيها المغتصبة و القوة العسكرية وحدها لن تكون أبدا العامل الحاسم في كسر إرادة الشعوب ، لقد حقق الجندي العربي في تلك الحرب أكثر مما هو مطلوب منه و قدم الجيش المصري دماء أبنائه على رمال سيناء لتكون الخطوة ألأولى لتحريرها كما أختلطت دماء الشعبين السوري و العراقي في معركة الدفاع عن دمشق و التي شهدت ملحمة إستشهادية ما زال أبناء ذلك الجيل يتذكرها في معارك الدبابات الشهيرة ، كما ساهم كل العرب في إدامة زخم المعركة و توفير الأغطية الإقتصادية و السياسية لها بدءا من دور الراحل الكبير المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز الذي إستطاع بتمكن أن يجعل من البترول واحدا من أكبر أسلحة الردع الستراتيجية و ليس إنتهاءا بمشاعر أبناء الأمة في أعلى جبال أطلس في أقصى مغرب العالم العربي ، لقد كانت حرب أكتوبر فعلا و كما قال الرئيس الراحل أنور السادات آخر الحروب التي شهدت تضامنا عربيا لا أحسبه قد تكرر منذ ذلك الحين ، و لن نطيل في تحليل الإشكالات و النهايات و التحركات التي إنتهت إليها تلك الحرب و لا إلى النتائج الستراتيجية الكبرى والمتغيرات الهائلة التي حدثت في العالم وحدها فتلك قضايا و ملفات معقدة أخرى يطول و يتشعب الخوض فيها ، و تشاء الظروف أن يرحل رجل تلك الحرب الأول و هو الرئيس المصري الراحل أنور السادات غدرا و إغتيالا في نفس اليوم الذي شارك في صنع ملحمته و لكن عام 1981 أي بعد ثمانية أعوام من ذلك النصر الكبير ، و السادات كما أثبت التاريخ و أثبتت أحداث العقود الماضية كان رجلا ستراتيجيا من الطراز الأول و ذو رؤية مستقبلية متقدمة و كان رحيله في يوم نصره تتويجا لمعارك سياسية و حياتية لم تنته ، فرحم الله شهداء تلك الحرب الأبطال من أبناء الأمة العربية الذين قدموا أرواحهم الطاهرة من أجل الشرف و الحرية و الكرامة ، و تحية لروح بطل الحرب و صانع السلام الرئيس الراحل أنور السادات الذي دخل التاريخ من أوسع بواباته... لقد جعلت بطولات تلك الحرب الأرض بتتكلم عربي!! فشتان بين الأمس و اليوم؟... وتلك الأيام نداولها بين الناس..
dawoodalbasri@hotmail.com