إن بناء المجتمع المتحرر الذي يسوده العدل هو الأساس في بلورة الوعي الثقافي والاجتماعي، ويجعل من الفرد قادراً على التحرر والانعتاق من كل القيود المفروضة عليه قومياً ودينياً وأثنياً، ويجعله مؤمناً بقدرته وكفاءته في قيادة المجتمع ومندمجاً فيه ممارساً مواطنيته على أكمل وجه، فبناء الفرد / المواطن بناءاً صحيحا، والعمل على زيادة منسوب الوعي لديه، يجعل من المجتمع ككل متحرراً ورافضاً للعنف، ومقبلاً على الاعتراف بالآخر، ويقلل من حالات التصادم بين الشعوب، والقوميات والأثنيات المتعايشة ضمن الدولة الواحدة، فالحضارة هي ملك البشرية جمعاء، ولكل إنسان أينما وجد جزء من المساهمة في تقدم البشرية وتطورها.
ومع بروز العديد من المفاهيم منذ بداية القرن الحادي والعشرين، كنوع من التحدي كانت جميعها تهدف إلى خدمة الإنسانية، ورفع قيمته، ولعل أبرزها المجتمع المدني وحقوق الإنسان، وبناء المجتمع الديمقراطي الخالي من الاستبداد، وإعلاء شأن الإنسان المتحرر القادر على بناء وعيه النابع من الحرية والكرامة الإنسانية، والوقوف في وجه التعصب القومي والديني الذي يهدم العلاقات الإنسانية القائمة منذ آلاف السنين والمبنية على أسس التفاهم والاعتراف بالآخر المختلف، ومحاربة الإرهاب الذي يهدد البشرية بالأكمل، والمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة دون أي تمييز، ودون لحق الضرر بأي طرف بحسب المواثيق والعهود الدولية المتعلقة بهذا الشأن.
بهذه المقدمة البسيطة يمكننا الدخول إلى لب الموضوع / المشكلة، ألا وهي مشكلة المجردين من الجنسية ( أجانب الحسكة ) في سوريا و ( البدون ) في دولة الكويت، والمعاناة المشتركة التي يعانيها هاتين الشريحتين داخل مجتمعها وفي وطنها الأم، ففي سوريا تم تجريد آلاف العائلات الكردية من جنسيتها السورية بحسب الإحصاء الاستثنائي الذي جرى في محافظة الحسكة ( شمال سوريا ) عام 1962، حيث تم تجريد حوالي / 120 / مئة وعشرون ألف مواطن كردي من جنسيتهم السورية ووصل تعدادهم اليوم إلى أكثر من / 300 / ثلاثمائة ألف مواطن وهم مقسمون إلى قسمين:
أ – الأجانب :وهم الذين جردوا من الجنسية السورية وسجلوا في القيود الرسمية على أنهم أجانب محافظة الحسكة .
ب – المكتومين :أكراد جردوا من الجنسية ولم يتم قيدهم في السجلات الرسمية نهائياً وهم لا يملكون أية وثائق رسمية باستثناء شهادة تعريف من المختار وأطلق عليم أسم "مكتومي القيد" وتتغذى هذه المجموعة من حالات التزاوج التي تحدث بشكل طبيعي بين المجموعتين ( أجنبي – مكتوم ) تكون الحصيلة أولاد مكتومين، والفئتين ( الأجانب والمكتومين ) محرومون من أبسط حقوقهم المدنية والسياسية والقانونية وحتى الإنسانية ولا يحق لهم التوظيف في الدوائر الحكومية، واستكمال الدراسات الجامعية، وتسجيل أملاكهم وعقاراتهم الخاصة بأسمائهم، ولا يحق لهم الانتساب إلى بعض النقابات ( محامين – صحافيين )، وممنوع عليهم خدمة العمل، والسفر إلى خارج القطر وحتى النوم في الفنادق السورية، كانتهاك صارخ لأبسط مبادئ حقوق الإنسان، هذا الانتهاك الذي يأخذ طابعا جمعيا حيث يطال آلاف الأسر ويصنف في دائرة " التمييز العنصري " بوصفه مطبقا بحق أبناء قومية واحدة دون غيرها بالرغم من عيشهم في محيط متداخل أثنيا وطائفيا.
بالمقابل في دولة الكويت التي تتمتع بحالة أكثر ديمقراطية وتعددية سياسية، وبرلمان منتخب، وعمل علني لقوى المعارضة الكويتية فأن عدد " البدون" يقدر بنحو 80000 إلى 140000 شخص وهم يقيمون في البلاد بصورة بدون جنسية بشكل فعلي ويعانون من الحرمان من كافة حقوقهم الأساسية وخصوصاً الوضع القانوني والذي يؤثر بدوره على جميع مفاصل الحياة، وحسب تقرير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فأنه لا تعطى شهادة الميلاد لأطفال البدون وإنما تصدر ورقة تحدد نوع الجنس ولكن بلا اسم، والأطفال لا يمكنهم الحصول على التعليم الحكومي، الآباء والأمهات يجب أن يدفعوا للقطاع الخاص وهم محرومون من التعليم و الخدمات الصحية والسكنية ومنع توثيق الولادة والوفاة والزواج ومنع صرف رخصة القيادة للمركبات ومنع جواز السفر والملكية والعمل وغيرها من الحقوق المهضومة.
المشتركات كثيرة بين الأكراد المجردين من الجنسية السورية و " البدون" في دولة الكويت من حيث المعاناة والظلم الواقع عليهم، وأن التجاهل المستمر لقضيتهم تسيء إلى سمعة الدولتين أمام المجتمع الدولي، وتعيق من الاندماج الوطني، وتزيد من حالات الاحتقان داخل المجتمع الواحد. فعلى الرغم من أن البرلمان الكويتي قدم اقتراحات لحل المشكلة وإغلاق هذا الملف، وأن البدون يؤمنون بأنهم كويتيون، ويعربون عن الحب والولاء لأرض الكويت، وأن الرئيس السوري قد وعد بإعادة الجنسية إلى الأكراد المجردين منها، والوعود المتكررة وفق كل المستويات القيادية بإعادة الجنسية ولكن ليس هناك أي إرادة جادة لإغلاق هذا الملف في هذين البلدين... فإلى متى تستمر هذه المعاناة؟!
كاتب وناشط حقوقي سوري