من المعروف عن الولايات المتحدة الامريكية انها خاضت حربا حامية حتى نالت استقلالها. ولها دستور من اعظم دساتير العالم ديمقراطية وحرية وعدالة. لذلك استطاعت تحقيق النهضة بأوسع معانيها بسرعة أبهرت العالم وحققت ازدهارا وتقدما تتمنى مثله جميع شعوب الكرة الارضية خاصة وان امريكا وقفت منذ بدايات شموخها نصيرة للحق والعدالة وللحرية طالما افصحت عنها مبادئ ولسون الستة عشر اثر الحرب العالمية الاولى التي وقفت فيها امريكا مناصرة لدول المحور وفي الحرب العالمية الثانية حيث تمكنت مع دول الحلفاء من القضاء على أخطر آفات البشرية ألا وهي النازية الهتلرية.
ليس بين الأمة العربية والولايات المتحدة الامريكية الا الود والاحترام المتبادل والحرص على تحقيق المصالح المشتركة طبقاً لمبادئ القانون الدولي. وعلى الرغم من أن الصهيونية التي تمكنت صعوداً مع الايام من التأثير على القرار الامريكي في السياسة الخارجية فان الامة العربية لم تقطع الأمل في الوصول الى بناء علاقات متكافئة تحفظ لامريكا مصالحها كدولة عظمى وتحفظ أيضأ ومن باب اولى مصالح الامة العربية بدولها المتعددة ابتداءاً من المحيط وصولاً الى دول الخليج العربي. والجميع يعرف مدى تحكم اللوبي الصهيوني في رقبة القرار الامريكي تجاه الشرق الاوسط. ووصل الأمر في هذا التحكم الى درجة نطق فيها أحد المسئولين الكبار جداً في احدى الدول العربية المعتدلة التي ترتبط مع أمريكا بعلاقات وثيقة...... نطق قائلاً وفي برودة أعصاب تدل على موضوعيته وهنا أورد نص قوله ( ان السياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية تجاه القضية الفلسطينية والشرق الاوسط برمته تصنع في تل ابيب وليس في واشنطن). ولا يخفى على اي محلل سياسي معنى هذا التصريح الذي نطق به ذلك المسئول العربي الكبير. لقد جاء هذا النطق قبل مؤتمر انابوليس بحوالي ثلاث سنوات.
وها نحن اليوم بعد مرور عشرة شهور على ذلك المؤتمر الذي ما زلنا نامل فيه تحقيق الالتزامات الامريكية في السنة الاخيرة من الوعد وقبل نهاية ولاية الرئيس بوش صاحب الوعد. ولكن وبعد مؤتمر انابوليس ومع الزيارات المكوكية التي لم تتوقف لكبار المسئولين الامريكيين لكل من تل ابيب ورام الله وعمان والقاهر والكثير من العواصم العربية، كثيرا ما سمعنا من هؤلاء المسئولين ان امريكا لن تضغط على اسرائيل لقبول اي شيء من شأنه أن يتناقض مع أمن اسرائل الحليف الاستراتيجي الى الابد!! علماً بأن الدول العربية مجتمعة قد أصدرت مبادرة للسلام مع اسرائيل اقرها القادة العرب في مؤتمر القمة في بيروت سنة 2001 وأعادوا اقرارها في مؤتمر القمة في السعودية في العام الماضي وما زالوا يدعون اسرائيل لقبولها ويحثون المجتمع الدولي لتبنيها. لم يعد العرب يهددون أمن اسرائيل ما دام انهم اقروا بالسلام كخيار استراتيجي لا بديل عنه. ومع ذلك فان الولايات المتحدة لم ولن تضغط على اسرائيل لقبول ما من شأنه تهديد أمنها. وهنا صلب المعضله. فكيف الحل اذن واذا كانت اسرائيل مصابة بعقدة الأمن اذ تتزاول حتى من الطير الطائر!! والملاحظ أن أمريكا لا تغضب إلا إذا غضبت اسرائيل، فهي مع اسرائيل على الدوام في السراء والضراء .
وبسبب هذا" الاستنعاج" الاسرائيلي لامريكا فقد استهلكت الأدارات الأمريكية المتعاقبة وخاصة ادارة بوش الحالية الرصيد الاخلاقي لأمريكا في العالم. أي أن الادارة الحالية أصبحت تتصرف بدون مرجعية من القيم أو من الأخلاق. لقد أصبحت امريكا مثيرة للسخرية وهي تتحدث عن حقوق الانسان في الوقت الذي لا تنفك فيه عن تحطيم حقوق الانسان في الكثير من بقاع العالم. يشهد على ذلك السلوك الأمريكي في افغانستان والباكستان وفي العراق وبالذات في سجن أبو غريب. أما عن سجل غوانتنامو فان عاره سيبقى يلاحق أمريكا الى الأبد. إن ادارة بوش قد أودت بأمريكا الى هاوية عميقة من الصور السيئة التي ارتسمت في أذهان الاجيال الصاعدة سواء في الداخل أو في الخارج. لقد سببت الادارة الحالية لأمريكا الاخفاق الأخلاقي بل أصبحت بدون اي رصيد من الأخلاق.
لقد استرسلت " مادلين اولبرايت الوزيرة السابقة لوزارة الخارجية الامريكية في مقابلتها لاحدى الصحف التشيكية منذ ايام ووصفت الادارة الامريكية الحالية بجميع الاوصاف السابقة التي ذكرتها بل وبما هو اكثر فظاعة. ولكنها بقيت متشبثة بالأمل بأن صورة أمريكا ستتبدل نحو الأفضل بعد مغادرة بوش للسلطة!! وبالاضافة لمادلين اولبرايت فان الكاتبة البريطانية الذائعة الصيت" مارغريت داريل" التي صاحت قائلة بأنها تشمئز من الولايات المتحدة لما ارتكبته من فضائع ضد الابرياء من شعوب العالم. وأضافت قائلة أنها لا تطيق رؤية بوش ورأس ديك تشيني ورامسفيلد ولا تطيق سماع تفاهاتهم المبتذلة.
لقد وصل الأمر بأن هناك سيلاً من الكراهية ضد أمريكا متدفقاً من الكثير من انحاء العالم!! والغريب ان بوش نفسه صاح مذهولاً في أواخر سنة 2001 متسائلاً " لماذا يكرهوننا الى هذا الحد"؟؟ والغريب أن جوقة المحافظين الجدد الذين ما إنفكوا يعزفون الحانهم على مسامعه يكررون الاجابة على سؤاله قائلين بأن السبب هو الغيرة!!
والأكيد الذي يبدو صارخاً هو أن الأمة العربية لا تكره أمريكا ويشهد على ذلك الطوابير الواقفة امام السفارات الامريكية في العواصم العربية المتأملة في الحصول على تأشيرة الهجرة أو تاشيرة الزيارة لابنائهم وأقاربهم المتجنسين بالجنسية الامريكية. ناهيك عن العشق الجنوني للدولار!! ولكن الأمة العربية تنتقد وبمرارة سياسة الإدارات الخارجية التي تصر دائماً على الوقوف بجانب اسرائيل ضد القضية الفلسطينية. إذا كانت الأمة العربية معجبة وبصدق بالأمة الامريكية لما حققته من انجازات رائعة على سلم الرقي والحضاره، فان هذا الاعجاب بالأمة لا يعني أبداً الاعجاب بالادارة الامريكية التي وصفتها وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت بأنها استهلكت بابتذال الرصيد الأخلاقي لأمريكا!!
كاتب ودبلوماسي سابق اردني
khobidat@wanadoo.jo