|
ومضى قطار رحلة رمضان المبارك , وهو يتنقّل بين محطّات ألم يتجدد في الغربة القاسية , حتى وصل إلى إشراقة عيد الفطر السعيد مؤملا النفس في بلوغ الاستقرار , وتحقيق الأمنيات الكبرى في العودة إلى رحاب الوطن الغالي .
يغلب الصمت على العائلات العراقيّة , وهي تعيش الأيّام الأخيرة من رمضان , وتستقبل العيد بحماس اجتماعي فاتر , وحزن ظاهر على الوجوه كلّها , وهي تتأمل في أن يتغيّر العالم , بصباح ما غارق في أمنية تطفو على دعاء فجر , مرفوع بدموع ساخنة , تتواشج مع نسمة شاميّة عابرة .
وتهبّ عواصف الذكريات .. على الأُسر العراقيّة , ليكون العيد متكأ لها , ويبدأ سرد الذكريات والحكايات , من مدينة الألعاب , حتى حفلات الزواج , وطقوس اللقاءات بين الناس جميعا , الأطفال , يتذكّرون بهاء احتفالاتهم , ويومهم الذي يبدأ مع نهوض الخصلات الأولى للشمس , فيلبسون ثيابهم الجديدة , ويبدأون بمعايدة آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم الأكبر منهم , ليحصلوا على العيدية التي تجعلهم ينطلقون إلى مواسم الفرح , بكل سحر ألوانها ويحققون ملامح العيد بأجمل صوره .
النساء يتذكّرن طقوس العيد و( الكليجة ) والتهيؤ لاستقبال المهنئين من البنات والبنين , والجيران , وهكذا لكلّ فرد ذكرياته , وتأملاته , ودموعه التي تنساب ألماً وهو لا ينتظر أحداً يطرق عليه الباب معايداً وهو في الغربة .
عائلة أبي سعيد الجبوري , تعيش في سوريا منذ أقل من عام , قال لي أبو سعيد وهو موظف متقاعد : العيد يعني لقاء الأحبة , والفرح الحقيقي , حيث نستقبل أهلنا وجيراننا , ونرى أطفالنا وهم كالفراشات في سماء الفرح الحقيقي , ونحن كنا في بغداد نقصد سوق الشورجة في الأيام الأخيرة من رمضان لنتسوق استعدادا لاستقبال ضيوفنا , لكننا هنا بلا حماسة , ولم نتسوّق للعيد الجديد في غياهب الغربة , وقد حاولنا قضاء العيد في بلادنا والعودة ولو المؤقتة إلى ربوعه , لكننا اصطدمنا بمصدات عديدة , منها كلفة العودة , والأموال التي تتطلبها , فأجلنا الموضوع , ريثما يفرجها الله تعالى .
أما مجموعة الأطفال , التي شاهدتها , وهم أطفال ٌ عراقيّون , فهم يقولون بنفس واحد : لا نعرف العيد هنا , أين نذهب ؟ على الرغم من وجود الكثير من ساحات اللعب , والمتنزهات ومدن الألعاب , لكننا لا نجد ضالتنا فيها , فنحن في بغداد نصحو مع صلاة العيد , ننتظر آباءنا , ونهنئهم , ثم نمر على أقاربنا وأصدقائنا لنحتفل بأعلى أصواتنا .
أما أم عامر , فتقول , العيد يذكرني بزواجي من أبي عامر , حيث تزوجنا في عيد الفطر المبارك ليكون عيدنا عيدين , وأتذكر كيف احتفلنا , ونحن نستقبل الأهل والأصدقاء والأقارب بالفرح كلّه , وبقينا نحتفل بهذه الذكرى ,’حتى خروجنا من العراق قبل ثلاث سنوات , وبقينا نعيد الذكرى بالألم والبكاء والنظر إلى مصير البلاد وهي تحترق , وتغرق في ظلام المحن المتواصلة , التي نرى آخرها يلوح بالأوبئة التي تعصف بأحبتنا وأبنائنا .
والعيد في الغربة , يحمل شعارا واحدا , هو بيت الشاعر الكبير المتنبي :
عيدٌُ بأيّة حالٍ عدتَ يا عيدُ ... بما مضى , أم لأمرٍ فيك تسهيدُ ؟.
وعلى الرغم من مظاهر الفرح , في تجمّعات العراقيين , لاسيّما في ضاحيتي ( السيدة زينب ) و ( جرمانا ) المكتظتين بالعراقيين , إلا أن الفرح يظل ناقصاً , لأن الطقوس الخاصة تغيب , وألم الابتعاد عن الوطن يتضخم , وتتفاقم الأوجاع والأمنيات وتعلو منابر الدعاء في أن يعود الوطن آمناً مطمئناً , ويعود إليه أبناؤه كلّ أبنائه .. فرحين به , وهو فرح بهم .
|
|