تابعت باهتمام شديد حلقات مسلسل "الباشا" الذي انتجته وقدمته قناة الشرقية , وقد اعجبني المسلسل كثيرا رغم اني سجلت بعض الملاحظات على الوقائع التاريخية التي وردت فيه والتي لا اريد ان اتطرق اليها هنا بل ساتركها الى فرصة اخرى . إن ما شدني في هذا المسلسل بالذات هو تجسيده لحقبة تعتبر الاهم من تاريخ العراق المعاصر هي فترة تأسيس الدولة العراقية الحديثة بعد سبعة قرون من الفترة الظلامية التي اعقبت سقوط الدولة العباسية , والتي ظل فيها العراق ينتقل من احتلال الى اخر ومن فترة مظلمة الى اخرى اظلم كان اخرها واطولها الأحتلال العثماني للعراق والذي استمر زهاء الاربعة قرون ... لقد كان انتهاء الحكم العثماني للعراق على ايدي القوات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى منعطف حاسم في تاريخ وحياة العراقيين , اذ لولا هذه الحرب لكان العراق يقبع حتى الساعة تحت السيطرة العثمانية , وما كان له ان يتحرر منها ابدا لما هو معروف عن ذلك الحكم من قسوة وبشاعة في اساليب السيطرة التي كان يتبعها وتركه للبلدان التي كان يحتلها غارقة في اتون التخلف والضياع , ولما كان يدعيه ايضا من سيطرة دينية تمثلت بكون السلطان العثماني هو الخليفة الاسلامي وانه ظل الله على ارضه . وبعد زوال ذلك الحكم ووقوع العراق تحت الأحتلال البريطاني لاحظ العراقيين فورا الفرق الشاسع بين السيطرة البريطانية والسيطرة العثمانية , فقد وجد العراقيون لاول مرة متنفس جديد ما كانوا يحلمون به من قبل فأصبحوا يتضاهرون ويثورون ويطالبون بالاستقلال الامر الذي لم يحدث له مثيل لسبعة قرون .
وفي ظل هذه الاوضاع والظروف الجديدة الجديدة اخذت الاحداث تتوالى مبتدأة باعتلاء فيصل الاول لعرش العراق انطلقت بعدها مسيرة المطالبة بالاستقلال التام ثم والمضي بعدها في الكفاح لتأسيس دولة عصرية وحديثة يمكن ان تأخذ مكانتها بين الدول وانشاء جيش قوي مسلح بأحدث الاسلحة ... لقد رافق هذا التطور في تلك الفترة أمران لا يمكن ان يجتمعا تاريخيا بسهولة وكان لهما دور اساسي في انشاء دولة العراق الحديثة . الأمر الاول المهم هو تولي الملك فيصل الاول لحكم العراق , فقد ضمن هذا الرجل ولاء جميع اطياف النسيج العراقي المعقد لسببين أولهما هو عراقة نسبه الذي ينتهي الى الرسول الأكرم , والثاني هو ماضيه الكفاحي الذي ساهم في تخليص البلدان العربية من السيطرة العثمانية ... يظن الكثير من العراقيين اليوم بان الملك فيصل الأول فرض على العراق , وللعلم أقول بان فيصل لم يأتي إلى العراق من نفسه ولا جاءت به بريطانيا ليحكم العراق بل بالعكس فهو لم يكن شخصا محبذا به من قبل الحكومة البريطانية... لقد جاء فيصل الأول إلى العراق بعد أن ذهبت وفود العشائر العراقية إلى أبيه الشريف حسين تترجاه بان يبعث ولده فيصل ملكا على العراق , وحتى إن أبيه قال لتلك الوفود باني أخاف بان تفعلوا به مثل ما فعلتموه بجده الإمام الحسين (ع) ... وحتى بعد مجيئه فهو لم يصبح ملكا على العراق إلا بعد أن بايعته جميع أطياف الشعب العراقي ... ومع إن نظام الحكم الذي تأسس كان ملكيا دستوريا حيث ان الحكم الحقيقي لم يكن بيد الملك بل كان بيد رئيس الوزراء , الا اني اعيب على المسلسل في انه اظهر الملك فيصل الاول لا عمل لديه سوى الاستماع الى اراء نوري سعيد ... لقد كان الملك فيصل شخصية فذة ومحنكة وذات ماضي سياسي طويل وقد بدأ حياته السياسية كعضو في البرلمان العثماني (مجلس المبعوثان) في اواخر القرن التاسع عشر , ثم قاد الثورة العربية الكبرى بالنيابة عن والده الشريف حسين , وان دوره في بناء دولة العراق ابتداء من الصفر لا يستهان به أبدا ... اما الأمر المهم الثاني فهو وجود نوري السعيد نفسه كعقلية سياسية اخرى في ذلك الوقت الخطير من عمر الدولة الوليدة , فقد استطاع هذا الرجل استخلاص حقوق للعراق لم يحلم بها لمئات السنين والتي هو أولها نيل الاستقلال وإنهاء الاحتلال , إذ لم يحدث ابدا في تاريخ الاحتلالات عامة وتاريخ الاحتلالات البريطانية خاصة ان نالت دولة ما استقلالها من الدولة المحتلة بعد خمسة عشر عاما فقط ... لقد كان العراق أول دولة عربية تنال الاستقلال رغم انه لم يكن أولها في التطور والتقدم الحضاري... لقد حدث هذا كله نتيجة لدهاء نوري السعيد وسياسة المناورة وحتى المكر التي اتبعها لانتزاع حقوق العراق من بريطانيا الحق تلو الاخر , لا بسياسة الخطب والمزايدات الوطنية التي لم تجلب إلا الخراب والدمار للدولة كما اثبتت الوقائع التي مرت بالعراق فيما بعد ... لم يكن نوري السعيد أبدا عميلا لأحد وإنما لصقت به هذه الصفة لان العراقيين يلصقون بسهولة هذه التهمة على كل من يختلف معهم بالرأي او بالأسلوب او يحقدون عليه ... ولو كان نوري السعيد عميلا فعلا فأين هي الاموال التي جناها من هذه العمالة , فبيته الذي كان يقطنه حتى مقتله كان بيت مستأجر يقع قي الكرادة بين عامة بيوت الناس , وهو لم يملك ثروة ولم يترك إرثا لأحد , كما إن ابنه "صباح" لم يكن أكثر من مجرد موظف عادي في دائرة السكك ... ولنا ان نقارن بين ما ملكه نوري السعيد في حياته وبين ما ملكه من أعقبه في حكم العراق من الحكام الوطنيين "الغير عملاء" ... وقد يقول قائل ان عمالته كانت بدون ثمن , فهل هذا يعقل وهل يمكن ان يبيع الانسان نفسه ووطنه للاجنبي مجانا ... لقد ظهرت عبقرية هذا الرجل جليا من خلال مسلسل "الباشا" , إذ بين المسلسل وقائع لا يمكن اخفائها اظهرت بقصد او بدون قصد وطنية هذا الرجل , والمسلسل لم يفعل ذلك لانه كان منحازا له او لغيره , بل فعل ذلك لان هذا هو الواقع فعلا الذي لا يمكن الحيود عنه ...
والان لنرى بماذا كافأ العراقيين هذا الرجل الذي افنى حياته في خدمتهم والذين ينعمون بفضله اليوم في العيش في ظل دولة اسمها العراق , والا لكانوا الى الان رعايا من الدرجة الثانية او الثالثة لدولة اجنبية محتلة قد تكون تركيا او بريطانيا ... انظروا ماذا فعل العراقيين بالباشا وتمعنوا بالمصير الذي أل اليه بعد أن بلغ عمره 78 سنة قضاها في خدمة الدولة العراقية ... يكفيه فخرا وشجاعة انه لم يسلم نفسه لاحد اذ سحب مسدسه واطلق النار على نفسه حين احاطت الجموع به في منطقة البتاويين . وبعد ان مات جاء وصفي طاهر الذي كان المرافق الشخصي له وامطر الجثة برصاص رشاشته ليعبر بذلك عن حقده الدفين على سيده . ثم جاءت سيارة عسكرية بعد ذلك وحملت الجثة الى وزارة الدفاع ليطلع عليها عبد الكريم قاسم الذي لم يهدأ له بال الا بعد ان تأكد بنفسه من انها جثة نوري سعيد . وفي مساء يوم 15 تموز اخذت الجثة من مركز الطب العدلي ودفنت في مقبرة باب المعظم المجاورة , ودفن معها زجاجة تضم ورقة كتب فيها اسم المتوفي وتاريخ الوفاة . لم ينتهي الامر عند هذا الحال لان احد الذين قاموا بالدفن اذاع الخبر فجاءت جموع الغوغاء ونبشت القبر واستخرجت الجثة ومثلت بها ابشع تمثيل وسحلتها في الشوارع وبشكل اثار اشمئزاز كل شعوب العالم واستهجانهم . ظل العراقيون يسحلون الجثة طيلة يوم كامل حتى وصل منظرها الى حال بشع تقشعر منه ابدان حتى الحيوانات , اذ اصبحت الجثة كتلة من اللحم الاسود ورائحتها تقزز النفوس . وفي بداية شارع غازي تقدم احد الناس لينهي هذه المأساة وصب البنزين على الجثة واشعل النيران بها فأحترقت وتحولت الى رماد انتشر في سماء وارض بغداد كلها ليصبح نوري السعيد بذلك كغاندي الهند الذي اوصى بان ينثر رماد جثته في نهر السند ليملآ الهند كلها . لقد ارتوت ارض بغداد بدم هذا الشهيد الكبير وتفرقت اجزاء جسمه على شوارعها وكأن الله اراد بذلك ان تتحد هذه الارض مع هذا الرجل الذي حررها من الاحتلال بعد ان بقيت تعيش في الظلام سبعة قرون متتالية . هذا ما فعله العراقيين بهذا الرجل البسيط المتواضع الذي اصبح رئيسا للوزراء اربعة عشر مرة واصبح وزيرا لمرات عديدة لكنه لم يعرف ابدا السلطان ولا جبروته .
لم أكن أحب أن أؤذي بهذه الصور مشاعر من يقرأ مقالي هذا , لكن كان لابد لي من عرضها لأري الاجيال المعاصرة ما أل اليه مصير هذا الرجل الوطني على يد الجموع العراقية , ولآوجه منها سؤالا لنفسي ولبقية العراقيين هو ماذا فعل الباشا بالعراق لكي ينتهي الى هذا المصير؟ هل سرق ... هل قتل ... هل ظلم ... هل سبب الحروب ... هل جلب الاحتلال للعراق ... هل دمر البلد ... هل يتم ابناءه ورمل نساؤه ... وهل وهل وهل ... اترك الاجابة على هذه الأسئلة للتاريخ
نسأل كثيرا نحن العراقيين انفسنا لماذا يحدث بنا الان كل هذا السوء ؟ , ولماذا نزل علينا كل هذا البلاء ؟... ولماذا غضب الله علينا كل هذا الغضب وحول حياتنا الى جحيم لايطاق وعشعش الموت في كل زاوية من زوايا بلدنا , بل حتى سمائنا صارت اغلب ايام السنة حمراء بلون الدم ؟ ربما تكفي هذه الصور للاجابة على هذا السؤال ... فهل تجدون فيها نفس الجواب الذي وجدته انا وهو ان السبب والعيب كله يكمن فينا وحدنا لأننا نحن أساس الداء , ورحم الله عزيز علي حين غنى أغنية "منا منا منا كلها منا" ... واسمحوا لي أن انهي مقالي هذا بالاية الكريمة "ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" ... صدق الله العظيم
كاتب من العراق