نشرت جريدة (آرام) الاليكترونية في السابع عشر من ايلول / سبتمبر الحالي تقريرا بعنوان "العراق الجديد: مليونا أرملة" واقع كارثي يحاصر المرأة العراقية واشار التقرير لتصريحات نوال السامرائي وزيرة الدولة لشؤون المرأة العراقية. أشارت الوزيرة الى بعض الاحصائيات المأساوية مثل 1,5 مليون عراقية مطلقة و4 ملايين امية وورد في التقرير تفاصيل تتعلق بانتهاكات حقوق المرأة العراقية من قبل الحركات الأصولية والطائفية وحرمان المرأة العراقية من حريتها. العراق الجديد في صيغته الحالية هو صورة ممسوخة ومنسوخة لايران الملالية. وأود في هذا المقال ان اشير الى فضيحة من نوع آخر في العراق الجديد وهي اغتصاب الاحداث في السجون.
في السنوات التي سبقت احتلال العراق وسقوط النظام البائد كتبت العديد من المقالات انتقدت فيها اضطهاد النظام البعثي للمعارضة وانتقدت في مقالات ومقابلات تلفزيونية الاعدامات والانتهاكات التي كان يمارسها نظام صدام ضد الاكراد والشيعة والمعارضين وابناء الطائفة السنية الذين لم يوافقوا مع النظام الصدامي واجهزة المخابرات القمعية.
بعد سقوط النظام في ربيع 2003 تفائلنا خيرا ان عهدا جديدا سيرسي قواعد الحرية والتسامح في عراق علماني معتدل وحديث. تفائلنا ان السجون ستغلق وان ظواهر الاضطهاد والتعذيب وانتهاك حقوق الانسان في السجون العراقية ستختفي للأبد. لم نتوقع ظهور نظام ديني متطرف يشرف عليه فقهاء ايرانيين يتدخلوا في كل صغيرة وكبيرة في الشأن العراقي بحيث اصبحت العراق اقليميا فارسيا بامتياز.
ولكن الواقع على الساحة العراقية اثبت ان كل هذه التفاؤلات كانت خاطئة وكل التوقعات كانت تستند على اوهام .
العراق الحالي الذي تديره ايران بالريموت كونترول من طهران ومن خلال فرق الموت وفيلق القدس داخل العراق اثبت انه ليس افضل من نظام صدام. ورغم مرور خمس سنوات ونصف على الاحتلال وسقوط النظام السابق لا يزال الشعب العراقي يعاني من الفقر والظلم والاضطهاد والافتقار لأدنى الخدمات الأساسية والحقوق الانسانية حتى ان الطفل العراقي يتعرض للاعتداء الجنسي والتعذيب في معتقلات النظام الديمقراطي الجديد الذي يتمتع بحماية اميركية ايرانية مشتركة.
• سجون العراق الجديد
لا أناقش في هذا المقال السجون التي تحتوي ارهابيين القاعدة والمقاومين الحقيقيين واعداء النظام والبعثيين ولكن سأسلط الضؤ على سجون الأحداث اليافعين الذين يتم احتجازهم في ظروف لا تليق بالحيوانات وذنبهم الوحيد هو انهم يعيشوا في مناطق غالبية سكانها من العراقيين السنة.
وفي تقرير اخير في صحيفة الغارديان البريطانية المعروفة بمصداقيتها واستقلاليتها كشفت الصحيفة النقاب عن حالة سجون العراق المأساوية وفضحت التصرفات الوحشية التي يمارسها حراس النظام الديمقراطي الجديد المدعوم اميركيا وايرانيا في آن واحد. عنوان تقرير الغارديان عدد الاثنين 8 ايلول 2008 جاء كالتالي:
* "نزلاء سجون الاحداث العراقية
يتعرضون للضرب والاعتداء الجنسي والازدحام".
لنأخذ قصة عمر علي في سجن الكرخ للأحداث:
يعاني عمر (15 عام) من التهابات ودمامل قيحية في ظهره وبقع حمراء متبثرة بسبب نومه على فرشة وسخة مشبعة بالافرازات السائلة من الجسم ومنقعة بالعرق البشري في غرفة مكتظة بالمعتقلين وبدرجة حرارة تبلغ 44 مئوي في جو خانق من الاكتظاظ حيث ينام 75 سجين في عنبر مساحته لا تزيد عن 50 متر مربع 10 X 5 متر اي اقل من مترمربع لكل سجين حيث يناموا على فرشات قذرة رطبة ومبقعة من استيعاب العرق ليلة بعد ليلة من مختلف المساجين والاسوأ من ذلك يتعرض النزلاء للضرب والتعذيب والاعتداء الجنسي. وقالت والدة احد المساجين "غالبا ما يختلي الحراس بالصبيان في غرف منفصلة ويغتصبوهم جنسيا".
يتعرض النزلاء للاعتداء الجنسي على نمط منهجي من قبل حراس يتميزوا بوحشية وفظاظة بالغة.
لا يسمح للسجناء بالغسيل (أخذ دوش) سوى مرة او مرتين في الاسبوع. وتنقطع الكهرباء معظم ساعات الليل والنهار ويجزم المساجين ان الحراس يبيعوا وقود المولد الكهربائي بالسوق السوداء. هذا يحدث في العراق الحديث المدعوم ايراينا وأميركيا والغني بالنفط .
يتعرض الاطفال للابتزاز بطرق مختلفة ومنها على سبيل المثال وليس الحصر ان حارس يسمح لأحد المعتقلين بالاتصال بعائلته باستعمال موبايل الحارس (الهاتف النقال) بشرط ان توافق عائلته على دفع 20 دولار لشركة الاتصالات لتسجيلها في رصيد موبايل الحارس.
* محاكمات صورية واعترافات مفبركة
وفضح التقرير المحاكمات الهزلية التي لا تستغرق اكثر من 25 دقيقة حيث يتم اجبار المقبوض عليه ان يبصم على ورقة بيضاء ويتم اضافة الاتهامات عليها فيما بعد واذا كانت الوثيقة مكتوبة لا يسمح له بقراءتها واذا تواجد محامي يتم دعوته قبل المحكمة بنصف ساعة ولا يستطيع دراسة القضية ولذا لا يتمكن من الدفاع عن الضحية.
* مفارقة غريبة وايران عنصرها المشترك
رعد جمال 17 عاما قبض عليه في محافظة دورا في حزيران عام 2007. و قالت والدته سعاد احمد رشيد ان جندي اميركي قال لابنتها "قولي لأخيك جمال الأفضل له أن يعترف بانتمائه للقاعدة وان لم يفعل سنسلمه للعراقيين حيث سيتعرض للتعذيب حتى يعترف. هنا علينا ان نأخذ وقفة ونتأمل هذا التهديد الذي عبر عنه جندي أميركي بكلمات بسيطة.
لماذا من الأفضل للمعتقل العراقي ن يكون في حوزة الأميركان وليس في قبضة العراقيين من ابناء جلدته. هذا تساؤل بحاجة لنقاش ودراسة واجابات من نظام بغداد المدعوم ايرانيا. وبينما ننتظر الاجابة يمكن القول انه رغم أن الأميركان غير مشهورين بانسانيتهم الا انهم اقل قسوة وعنفا من الحراس العراقيين في معاملة السجناء من ابناء العراق.
وهنا نكتشف مفارقة غريبة تدعو للدهشة. من متابعتي للملف الفلسطيني اكتشفت كيف يفضل الفلسطيني ان يقع في قبضة الجيش الاسرائيلي من أن يقع في قبضة حماس المدعومة ايرانيا. ألم يهرب الفلسطينيون مؤخرا من حماس الى اسرائيل الغير مشهورة في انسانيتها ولكن قسوتها أقل عنفا من قسوة عناصر حماس المدعومين من ايران.
* السلوك الايراني في الأحواز يتكرر في العراق
ايران تحتل اقليم الاحواز العربي منذ 1925 وتمارس القمع والتعذيب والاعدامات ضد الشعب الاحوازي. اي ان هذا الشعب يعاقب مرتين الأولى عندما وقع تحت الاحتلال الايراني العنصري والثانية يعاقب عندما يحاول التمسك بهويته العربية ويحتج على الاحتلال. وايران تحتل الجزر الاماراتية منذ عام 1971 والنظام الديني الحالي يواصل سياسة واستراتيجية الشاه العلماني وبوقاحة واضحة. وسجون ايران ليست افضل من سجون العراق حيث يتعرض الشباب الاحوازيين للتعذيب والاهانة والاعدامات الغير قانونية.
وفي تقرير آخر لبعثة تابعة للأمم المتحدة زارت العراق عام 2007 وقامت بتفتيش سجن طوبشي وأكدت في ا لتقرير مسائل الاكتظاظ والضرب والتعذيب والاعتداءات الجنسية وعلق السيد كاظم رؤوف علي نائب مدير دائرة الاحداث التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية قائلا "لا يوجد اموال لتحسين ظروف سجون الاحداث".
هذا في العراق الذي ينفق البلايين من الدولارات على الأمن والدفاع.
لا بد من التذكير هنا ان من يقتني حيوانا في اوروبا الغربية ولا يوفر له عيشا كريما وسكنا لائقا ولا يعامله معاملة انسانية يتعرض للمساءلة القانونية والعقوبات الصارمة ويمنع من اقتناء حيوانات طيلة حياته. هل باتت قيمة الانسان في العراق ابخس ثمنا من الحيوان.
في العراق الديمقراطي الحديث والمدعوم أميركيا وايرانيا ليس للانسان أي قيمة خاصة اذا كان سنيا.
ألى متى ستستمر هذه الحالة المأساوية؟
** اعلامي عربي مقيم في لندن