|
تراه مدمناً على الجلوس في مقهى الروضة الشهيرة في قلب دمشق , منذ ثمانية وعشرين عاماً , لم يبدل مكانه حتى , فهو – في دوامه الصباحي - الذي يبدأ في الساعة العاشرة صباح كلّ يوم , يجلس في الباحة الداخليّة للمقهى , أما في – دوامه المسائي – الذي يبدأ بعد فترة غدائه الرشيقة السريعة , فهو يجلس في الباحة الداخلية , وعلى مقربة من موقعه الأوّل , وقد اختار موقعه هذا ليراه الداخل للمقهى , والخارج منه .
هكذا هو أبو حالوب الشهير بين العراقيين جميعا , وبالذات الكتّاب والصحفيين والأدباء والفنانين , من المقيمين في دمشق , أومن القادمين إليها , فالجهة الأولى التي يقصدها العراقي القادم إلى دمشق , هي مجلس أبي حالوب , حيث آخر الأخبار , وآخر المعلومات عن المتواجدين في دمشق , أو عن الذين غادروها , والقليل من أصدقاء أبي حالوب الذين لا يمكن عدّهم أو إحصاؤهم , هم الذين يعرفون أنّ اسمه لبيد , وأنه قدم من محافظة القادسية في سبعينيات القرن الماضي , وظلّ مقيماً في المقهى , حتى أنه أصبح جزءاً من معالم المكان المألوفة , وله فيه حظوة خاصة , وقد صار مادة للكثير من الكتابات الأدبية والصحفية , إضافة إلى أنه دخل أحد الأعمال الدراميّة مجسّداً بالفنان عامر العمري , إضافة إلى أن قناة الجزيرة الفضائية أنتجت عنه فيلما خاصّاً عنوانه ( سفيرٌ في مقهى ) , تطرق لحياته العجيبة وسرّ جلوسه الدائم في المقهى , وحرصه على أن يكون المثابة الدائمة للعراقيين , في رمضان , لا يغيّر أبو حالوب طبيعته هذه , فالمقهى مفتوح , وهو لا يستطيع الصوم , لأسباب ٍ صحيّة , ثم أن القادمين والراحلين لا ينقطعون , وبالتالي عليه أن يزوّد الجميع بالأخبار وأن يكون حاضراً , إزاء إطلالة كلّ عراقيّ على المقهى , وهكذا اتصل بي , من رقم غير معرّف عندي – كعادته - , قال لي : أنا أبو حالوب , قلتُ له ضاحكاً : أعرفك يا أبا حالوب من صوتك , فيضحك هو الآخر , ويقول لي : لك بريدٌ في حوزتي , متى تأتي لتسلّمه , فأقول له الآن يا أبا حالوب , مسافة الطريق وأكون معك , وأذهب إليه , فيهجم عليّ عاملو المقهى , ماذا تطلب , فأخبرهم بأنني صائم , ولكن ليعوّض أبو حالوب طلبي , فيبادر أبو حالوب بالقول , أن الرجل صائم وأنا شربت شاياً , وقهوة , ولكن اجلبوا لي عصير ليمون ... ويذهب عاملو المقهى , ويبدأ أبو حالوب نشرته الإخباريّة المحببة , جاء فلان , وذهب فلان , وأن فلاناً مريض , وفلان أصدر كتابه , ثم يسلمني ما بذمته من بريد لي , وأجلس معه دقائق , يتلقّى فيها عشرات التحيات من زبائن متنوعين في المقهى , كما يستأذنني أكثر من مرة , ليلتقي شخصا ما ويبلغه بأمر معين ..
وأبو حالوب في عالمه الأثير , أسأله : ألا تغيّر طقوسك في رمضان ؟
يجيبني : لا .. طالما المقهى مفتوح , وأصدقاؤنا لا ينقطعون عن المجيء .
ثم قال لي مؤكداً حتميّة تواجده : في إحدى المرّات , في الشتاء , كان المقهى مغلقاً للصيانة يوما واحدا , وكان الطقس ممطرا , والجو في أشدّ حالاته برداً في الشام , ومع هذا جلستُ بباب المقهى , أنتظر القادمين , ومعي الأمانات التي بحوزتي لهم , حتى انتهى موعد تواجدي الذي يعرفه الجميع , لأذهب إلى سكني , هل تعلم أنه لم يأتني أحدٌ في ذلك اليوم , وقد أصبتُ بوعكة صحيّة بسبب المطر والبرد , ومع هذه الوعكة لم أتخلّف عن حضوري إلى المقهى في اليوم التالي .
أثار الأمر استغرابي , فسألته : وهل هناك مفارقاتٌ حدثت معك ؟
أجاب بحماس : المفارقات لا تعدّ و لا تحصى , وأنا مستعدّ لسردها إليك بكلّ تفاصيلها .
قلتُ له : لماذا لم تصدر كتاباً عن تجربتك هذه ؟
صمت ..وتأملني , ثم قال : والله , أن الكثير من الأصدقاء قالوا لي ذلك , ولكنني أؤجل الأمر حتى ينضج لديّ نضجاً أقتنع به , ثم أدوّن مذكّرات ثمانية وعشرين عاماً في المقهى , وفي ذات المكان الذي لم , ولن أغيّره طالما بقيت حيّاً .
وأبو حالوب , مخلص لاختياره , فبعض الأمانات يوصلها بنفسه للأشخاص , غير القادرين على المجيء إلى المقهى , فهو وبعد دوامه المسائي , يخرج من المقهى , متأبطاً بعض الحاجيات لنقلها إلى أصحابها , بكل محبة , وطيبة قلب , هو الذي , لا يزعل على أحد , ولا يزعل منه أحد , فهو صديق الجميع الدائم , المحبوب , وهو حقاً مختار العراقيين جميعا في الشام .
|
|