|
وأنا أزيح غبار عودتي إلى بغداد , هذا الغبار الذي رافقني من حدود البلاد , وانطلق معي في صحرائها الموحشة الشاسعة , حتى رقد معي على بوّابة أحلامي في العودة المختلفة إلى بلاد , تحاول الرجوع إلى مصافي طبيعتها الأولى , شاهدت ملامح مجهدة من كلّ الذين التقيتهم وشاهدتهم , وسمعتُ الأنين بأعلى درجات بوحه , فتوقفتُ طويلاً عند إعلانات التحذير , وهي تلوي عنق طمأنينتي , وبحثي عن استقرار طالما حلمتُ به , وأنا أتسكّع في مرافئ الغربة القاسية , هكذا , احذروا أيها العراقيّون , لا تفعلوا كذا , ولا تشربوا , لا تأكلوا , لا تتنفسوا , إلا بالشروط التالية , يييياه , تنفّس ٌ مشروط ٌ , وحياةٌ آيلةٌ للسقوط في مستنقع المعاناة واللوعة والأحزان الدائمة , أين ما تحقق إذن على صعيد واقع الفرد المسكين ؟
الذي تحقق هو المزيد من السرقات , التي جعلت الآلات تتوقف , والمنقيات تتلف , وبالتالي حذارِ من كل شيء , قد يدخل إلى الفم جراثيم جديدة , قادمة من تلوّث , وإهمال , وريح غريبة قادمة من كدس قمامة ما !
لا نعجب من ذلك , ولا نستغيث , فقد أسمعت إذ ناديت حياً .. ولكن لا حياة لمن تنادي , فأن بلد مليارات الدولارات المتعددة التي تدخل إلى خزائنه في اليوم الواحد , يفشل في توفير حذاء صغير لبطلة تمثّله في محفل دولي , وقبلها , فشل في توفير تجهيزات رياضية لفريق كرة القدم الذي فاز ببطولة آسيا التي صعبت على الفرق المدللة المتنعمة بالخيرات كلّها ...
وبعد كلّ الويلات , وفي رمضان الخير والبركات الذي جاء , عزيزا مكرّما غاليا , رغم أن مجيئه كان في حرّ فادح , وعسر خدمات , إلا أنه شهد ضيفا ثقيلا , هو وباء الكوليرا , الخطير , الذي يحاول الهجوم على كل البلاد , فيما وزارة الصحة العراقية تخفف من هول الحدث وتسفه شأنه , وتتحدث عنه , وكأنها تتحدث عن رواية غابرييل غارسيا ماركيز الأشهر ( الحبّ في زمن الكوليرا ) التي شهدت انتشارا واسعا كبيرا وإقبالا غير مسبوق من قبل القارئ العراقي على اقتنائها , الأمر الذي اضطر دار النشر التي ترجمتها وأصدرتها , وكانت حينها دار منارات الأردنية , إلى إصدار طبعة ثانية منها !
القضية أيها المسؤولون المحترمون ليست طبعة جديدة لرواية ماركيز , و لا يمكن السكوت عليها , كما سكتم عن الكهرباء ولغزها , والماء وتلوثه , والسرقات التي تجري في وضح النهار , فالقضية , قضية أناس أبرياء , زحف عليهم الوباء بشراسة , ولا نريد منكم إحصائيات رسمية للأعداد , بل نريد موقفا حقيقيا حاسما , وحملة صادقة لإيقاف زحف هذا الوباء , وأن لا نردم حفر الحقائق بالصمت والإهمال وتغييب وقائع الأمور , كما حدث مع موضوعات أخرى , وبالذات الصحية منها وكما حدث سابقا , وفي بابل أيضا , حيث هذه المدينة الهادئة الساكنة , التي تمر عليها الويلات والكوارث , وتنطفئ , وكأن شيئاً لم يكن ...
الكوليرا الآن في بابل , وقد توزعت منها على مدن الجنوب , وستطال بغداد , ونتمنى أن تقف قبل هذه الرحلة وأن نقضي عليها , ولكن ليس بالإهمال والكذب وتزوير الحقائق وأرقام الضحايا المجمّلة , بل بمواجهتها بقوة , وطلب العون الصحي والإنساني الفوري من العالم كله , وأن ندع مشاكلنا وخلافاتنا , واجتماعاتنا , ومقترحاتنا جانباً , وأن نهتم جميعا بهذا الوحش المفترس المدعو الكوليرا , وأن نقضي عليه , قبل أن يستفحل ويقضي علينا جميعا .
|
|