|
تكثيف الهجوم الغربي على روسيا هدفه ترويعها , حتى لا تكرر تحركها مرة أخرى , مثلما فعلت تجاه < جورجيا > . إن الردود القاسية والتلويح بفرض عقوبات , هدفه إظهار < العين الحمراء > لموسكو , لقمع التيار القومي الجديد , الذي يمثله فلاديمير بوتين رئيس الوزراء , ويحظى بمساندة الرئيس الشاب ديمتري ميدفيديف .
أوضاع روسيا الجديدة هي مع المنظمومة الغربية , وقد تخلت عن نظامها الإشتراكي القديم , وتبنت الرأسمالية وأسلوب المشاركة مع دول المجموعة الصناعية . وحصول موسكو على عضوية هذا النادي بعد خروجها من العباءة السوفياتية , يشير إلى تبنيها لمنطقة مختلفة تماماً , تعتمد على إستقبال الإستثمارات الغربية وفتح أسواقها لبضائع مصنعة في الغرب .
والقبول الروسي لهذه المنظومة , يفرض تبعات تحدث عنها رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون بقبول الإطار العام الذي يحدد العلاقات الدولية , على أسس التفاوض والحوار دون إستخدام السلاح لفرض أوضاع جديدة على الأرض .
يشعر الإتجاه القومي الجديد الذي يقوده < بوتين > , أن الغرب يستغل الوفاق لحصار روسيا وتجريدها من كافة عوامل قوتها . واعتمدت السياسة الغربية في تطبيق هذا المنهج على < جورجيا > لإختراق الأمن الروسي ذاته , عبر تحالفات موثقة لها مع الغرب بسعي حقيقي للحصول على عضوية حلف < الناتو > .
وتُغضب سياسات غربية , الجماعات الروسية التي ترفع اللواء القومي وتتحدث عن حدود ومصالح ومنظومة أخرى من دول الكومنولث , الخارجة من المعطف السوفياتي والفاعلة في إطار أمني جديد تقوده موسكو .
ويعني دخول القوات الروسية لأراضي جورجيا والإعتراف بأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا , هو محاولة لتأكيد مصالح موسكو بالخروج عن الإطار الذي تفرضه العلاقات مع دول الغرب , التي ترفض تماماً السعي لتشكيل إمبراطورية روسية جديدة , تكون قادرة بفرض سياساتها , سواء على الساحة الإقليمية أو الأخرى الدولية .
إن روسيا المطلوبة غربياً , هي التي تتوافق مع التعاون الإقتصادي وتنعم بعائده دون طموحات إقليمية , ودون دور دولي , قد يتصادم مع إستراتيجية غربية مطروحة لتحقيق منظومة مختلفة جديدة , تعتمد على قوة حلف شمال الأطلنطي من جانب , ووجود الإتحاد الأوروبي , ثم القطب الأمريكي الضخم الذي يتشعب بالتمدد والنفوذ على الساحة العالمية .
هذه المعادلة لا يوجد فيها مكانة خاصة لروسيا , مع الإعتماد على مجموعة متحالفة معها في نطاقها الإقليمي . إن سعي < بوتين > بتشكيل منظومة تكبح جماح الغرب , يثير القلق تماماً , ويحفز على ردود فعل قوية للغاية داخل المعسكر الغربي . والموقف البريطاني على وجه الخصوص يدعو إلى ضغوط أقوى على موسكو , إذ استمرت في نهج هذه السياسة , وقاد رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون مجموعة الصقور خلال إنعقاد قمة دول الإتحاد الأوروبي في بروكسيل , غير أن إتجاه فرنسا وألمانيا المعتدل , لم يمنح هذا التيار ما يريده الآن من إستخدام العصا الغليظة ضد موسكو .
مجمل الخطة البريطانية العقابية , هي طرد موسكو من مجموعة الدول الثماني الصناعية ورفض الحوار معها داخل حلف < الناتو > وفرض عقوبات إقتصادية , أي حجب الإستثمارات الغربية وتقييد حركة السفر من وإلى موسكو , وإعادة ستار العزلة مرة أخرى على الكرملين , ونقله من خانة الأصدقاء إلى وضع الأعداء .
تحرك ردود الفعل الغربية , داوفع لترويع < موسكو > لإنهاء هذا التمرد القومي الذي تقوده مجموعة < بوتين > , وتشجيع روسيا للعودة مرة أخرى , إلى حظيرة التطبيع مع العالم الغربي , والإستفادة من مميزات هذه العلاقة بفتح أبواب التجارة وتبادل السلع , وإرتباط السوق الروسي بالآخر الغربي , مع إرضاء الطبقات الصاعدة الجديدة في موسكو , بتلبية إحتياجاتها من سلع إستهلاكية والتعامل مع نموذج الحياة الغربية والتفاعل معها .
لقد نمت في السنوات الأخيرة طبقة روسية إرتبطت بالغرب الرأسمالي وطرق حياته وأسلوب إستهلاكه , ومن الصعب لجم هذه الطبقة مرة أخرى بالحديث عن منظومة روسية تعيد أمجاد الإتحاد السوفياتي السابق .
إن روسيا التي إرتضت العلاقات مع الغرب , لا تملك مقومات الحقبة السوفياتية السابقة , وإذا كان الخلاف في السابق على أساس معاداة المنظومة الرأسمالية , فإن الوضع الحالي يفتح طريق المصالح القوية وإستثمارها . ويمكن جذب روسيا للإستمرار في خطة الوفاق , بإبعاد المخاوف والهواجس عنها , وطمأنة روسيا القلقة ووقف شغب الرئيس الجوركي ميخائيل ساكاشفيلي , الذي فجّر الأزمة كلها .
إن روسيا لم تعد لديها أيديولوجية متناقضة مع الغرب , ولا تملك قيادة لمعسكر جديد يشن الحرب الباردة , إنها فقط قلقة على أمنها القومي , نتيجة تحركات لحلف < الناتو > تستهدف الحصار وتطلق مغامرات مجنونة ومراهقة , لا تضع في إعتبارها ما تحقق نتيجة إمتصاص روسيا في دائرة الحياة الغربية .
لقد كانت رئيسة الوزراء البريطانية الأسبق مارغريت تاتشر , مدركة لأهمية إغواء روسيا وإدخالها نطاق الحظيرة الرأسمالية للتمتع بعائد وفوائد هذا السوق , غير أن سياسات متهورة في الغرب , إستفزت المشاعر القومية الروسية , عبر العامل الجورجي , مما فجّر الأزمة وأطلق نيرانها الثقيلة .
ويبدو غوردون براون رئيس الوزراء البريطاني متطرفاً ومتشدداً تجاه روسيا بوتين وميدفيديف , مع إن السياسة التي تهتم بالمصالح تُفرض عملية الوفاق والتأكيد على العلاقات المشتركة ومحاصرة العوامل الأخرى الضارة .
إن روسيا التي تشعر بقوتها , من حقها حماية مصالحها في < القوقاز > وإستخدام لغة العصا الغليظة ضدها , لن يساعد على تهدئة الموقف , وإنما إشعاله وتعميق الخصومة وعودة الحرب الباردة , مع غياب كل العوامل الفاعلة لتحقيقها .
موسكو لا تملك منظومة سوفياتية كما كان الوضع في الماضي , لقيادة الحرب المضادة مع الغرب , لقد إرتضت مويسكو دخول السوق الرأسمالي وقبول قواعده , وهذا يفرض التعاون معها , لا إعلان الحرب عليها .
أن قبول مبدأ الخلاف والمصالح الخاصة بالكتل المختلفة , يفرض على الغرب إستخدام لغة أخرى في التعامل مع موسكو و وإن سياسة القسوة والعنف , لم تضيف شيئاً سوى المزيد من التناقض والصراخ .
موسكو تحتاج الغرب , كما أن الأخير لا يستطيع التفريط في علاقة تربطها المصالح وإستبدالها بأخرى تتناقض وتدعو للشجار بل الحرب والمقاطعة كما يدعو براون في لندن .
إنه يمكن حل المشكلة < الجورجية > بوقف إستفزاز القيادة الحالية التي يمثلها الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي , وإعادة الموقف إلى لغة الحوار والهدوء لمحاولة حل ملفي أوسيتيا وأبخازيا .
من الصعب على روسيا المغامرة وإهدار كل ما تحقق لها من فوائد , نتيجة مرحلة الوفاق مع الغرب , وهي تريد أن تصبح جزءاً من أوروبا والتناغم مع أسلوب حضارة القارة , وهي لا تملك الآن على الأقل , صيغة للتناقض والإختلاف , وإنما الأوفق لها معالجة مصالحها بأسلوب يختلف عن طرق العمل العسكري والإنحياز مجدداً إلى التفاوض والحوار .
|
|