شهر رمضان الكريم , وهو يحلّ على العالم الإسلامي , مبشّراً إيّاه بالطمأنينة والمحبة وربيع الروح , وإصغاء الجسد إلى استرخاء يولّده الصوم , الذي يمثّل ركيزة أساسيّة من ركائز إيمان المسلم , ولهذا الشهر الفضيل طقوسه , ولياليه الباذخة التي تتمثّل في حيويّة الاحتفال الإيماني , وإيقاد شموع الليل حفاوة , وفرحاً يمتدّ حتى الخيط الأوّل من الفجر إيذاناً بيوم صيام جديد ...
العراق بكلّ مدنه وقراه , يحظى بطقوس رمضانيّة خاصّة , وأكلات ترتبط نكهتها بعبير رمضان و ضوع عطره , وهذه الأكلات يحتفي الجميع ويتباهى بتوزيعها على الجيران والأهل , وكأنها جزءٌُ مكمّل من طبيعة الموروث الشعبي الذي يعيشه العراقيّون .
هنا , في دمشق , تشحب وجوه العراقيين , وهم يشاهدون هلال شهرهم الكريم , وهم بعيدون عن بلادهم , وعن طقوسها المحببة وعاداتها الرائعة , فيتكسّر الهلال , وهو يصل إلى الرؤية من خلال عيون دامعة , وترقّب حزين لأيّام تتلوى ثقلاً وجبروتاً وغربة , نعم الطقوس والعادات الشاميّة الرمضانيّة جميلة معبّرة ذات دلالات عميقة الجذور , والتعبير عن روح هذا الشهر العظيم , لكنها تختلف عنها في العراق .....
وأتجوّل أنا بين مجموعة من العائلات العراقيّة , أسأل أم أحمد , وهي سيّدة تجاوزت الخمسين من عمرها , وهي تعيش رمضانها الأوّل بعيداً عن الوطن : كيف ترين رمضان هذا العام : فتقول , والعبرة تخنقها , لا شيء مثل الوطن , أتذكّر , رحلتي السنوية إلى أسواق الشورجة للتسوق لرمضان , وهي رحلة التسوّق الأجمل في حياتي , حيث أشتري متطلبات طقوس الشهر وأيّامه ولياليه , لأستمتع بعد كل إفطار بأجمل الأوقات بين أبنائي وبناتي وأهلي وأقربائي وجيراني , وكأننا في احتفال دائم لا شيء فيه غير الفرح والمحبة والإيمان العميق , أمّا هنا , فيغلبني الصمت , وقسوة الذكريات , وسياط العزلة , فأبكي دما وأنا بعيدةٌ عن جوهر حياتي , وأقضي الشهر الكريم صياماً إيمانياً , لا طقوس فيه , وتمرّ الليالي , شاحبة , أراني فيها متوجهة إلى بلدي الحبيب من خلال شاشة التلفزيون لأتابع المسلسلات العراقيّة والأخبارالمتضاربة المختلفة ...
فيما يقول الحاج أبو خالد : والله , لا متعة , ولا نقاء روح وصفاء سريرة لي إلا في بغداد , حين تغدو ساحاتها وبيوتها مرافئ , للمحبة , ولقاءات الفرح النظيف , والليالي المضاءة بالنشاط , والألعاب المسلية الجميلة و( صواني الزلابية والبقلاوة ) التي تعطي لرمضان طعماً خاصاً نحنّ إليه دائما , نعم , نحن هنا كثيرون , لكننا مشغولون بتفاصيل حياتنا الصعبة , والزيارة التي تتحقق هنا بين الشخص والآخر , أو بين العائلة والأخرى هي من النوادر , التي تحدث بشكل متباعد , بينما الزيارات المتبادلة في العراق , دائمة , وفي كلّ ليلة رمضانية تجد حشودا من المحبة , والتواصل الاجتماعي الذي لا مثيل له .
وتقول السيدة أم جمال , وهي قد تجاوزت الأربعين من عمرها , تعيش مع ابنتها في ضاحية جرمانة , وهي تنتظر مصير ابنها اللاجئ في أوربا : تتضاعف غربتنا حين يطلّ علينا شهر الخير والطاعة رمضان , ذلك أن ذكريات طقوس الوطن وتفاصيل عبادته وأجواء رمضان تلحّ علينا , ونحن نعاني البعد , والذي يخفف لوعتي هذا العام , هو انتظار قدوم ولدي من أوربا لمشاركتنا الصيام في هذا الشهر .
أما الكاتب العراقي هادي الجزائري فيقول : وا حسرتاه , كنّا نفطر في بيوتنا , وبعد أن نشرب الشاي , نتوجّه إلى مقهى حسن عجمي في شارع الرشيد – الحيدرخانة – أو إلى مقهى سبع في علاوي الحلة , لنشهد مهرجاناً ثقافياً يومياً لا مثيل له , ياه , من يعيد إلينا تلك الأيّام الساحرة ؟ ... حيث تراني هنا أتناول فطوري وحيدا , ثم أقصد مقهى الروضة , أسلّم على صديق الجميع ( أبو حالوب ) , وعلى بعض من أصدقائنا المتناثرين في المقهى الصاخب , لأجلس وحيداً , وأعود محتشدا بالذكريات , والحنين الدائم لوطني , وعائلتي التي تسكن الآن في الأمارات العربية المتحدة , وهذا الحال يشبه حال الكثير من العراقيين الذين تشظوا في الغربة , حتى صاروا أشتاتاً ممزقة .
... ورغم ذلك , فأن هناك بدائل اجتماعية وثقافية , وإن كانت خجولة إلا أنها تعبّر عن التواصل الاجتماعي والثقافي الذي يمثل بديلاً مناسبا لقضاء أجواء رمضانية جميلة , فالبيت الثقافي العراقي , أعدّ منهاجا رمضانيا تضمن فقرات متعددة , وهناك تجمعات مشتركة , عراقية – سورية , تحاول أداء فعّاليات رمضانية مشتركة , سنشير إليها ونغطيها , عبر تواصلنا مع قارئنا العزيز الذي نطلّ عليه من نافذة جريدتنا الغراء الدستور , ولا نقول إلا , رمضان كريم على جميع أبناء الأمة الإسلامية , ونبتهل إلى الله عزّ وجلّ , أن يوفق كلّ العراقيين للعودة إلى ديارهم الحبيبة , والاحتفال بشهر الطاعة والخير شهر رمضان الكريم في ربوع العراق , لأداء طقوسهم المحببة , والله الموفق .