تدخل بريطانيا مستنقع أزمة إقتصادية , وصفها وزير الخزانة ألستر دارلنغ بأنها ستكون طويلة الأمد , مما يعني أن رواج الحقبة الماضية إنتهى , وجاء آوان دفع فواتير مرحلة إزدهر فيها الإقتصاد وحي المال , وبلغت مظاهر النمو والتوسع أعلى مراحلها . حققت الطفرة الماضية الأحلام السياسية والآمال الإقتصادية نتيجة عوامل الثقة , مما دفع نحو ممارسة الإستهلاك بأعلى درجاته , لذلك إزدهرت الأسواق والمحال التجارية .
كان لصعود حزب العمال إلى السلطة في عام 1997 , دفع عوامل الثقة في الحياة السياسية . وورث الحُكام الجدد حقبة صيغة وضعها وزير الخزانة الأسبق كينيث كلارك , وفرت العوامل المناسبة لإزدهار حقيقي . برز في نمو سوق العقارات وإتساعه وإرتفاع حجم الأسهم المتداولة في دائرة < البورصة > كما أن بريطانيا شهدت طفرة أنعشت كل شئ , من أول مناطق وسط العاصمة و حتى الأطراف النائية منها , ومس الإزدهار المدن القديمة التي كانت تعاني من ضربات الكساد القوية في حقبة الثمانينيات .
كانت بريطانيا تمتعت بطفرة قصيرة خلل حكم مارغريت تاتشر , غير أن الكساد أطل سريعا , مما عصف بإنجازات تلك المرحلة . وجاهد المحافظون خلال حكم جون ميجور لتحريك الموقف , غير انهم فشلوا , وعندما جاء < العمال > تحركت معهم عوامل ثقة وتفجرت ينابيع الثروة مع حراك إجتماعي قوي وإستثمار لمشروع التخصيص المنتج على جميع المحاور التي تصب في قوة حيوية البلاد .
وقاد رئيس الوزراء الحالي غوردون براون عجلة الإقتصاد المزدهر خلال هذه الحقبة , عندما كان وزيراً للمال البريطاني , حيث تراجعت معدلات التضخم , مع قفز نسبة النمو وتراكم الأموال , التي تدفقت من الخارج لشراء العقارات الفاخرة وتشييد المناطق الجديدة , وتوجيه الإستثمار لإستقطاب أعداد البطالة وفتح طاقات المستقبل أمام البريطانيين .
توقع ألستر دارلنج وزير الخزانة , عودة البطالة مرة أخرى , نتيجة الكساد وضياع فرص العمل وغلق مشروعات لأبوابها أمام طاقات التوظيف .
توقعات < دارلنج > مقلقة ومحبطة وتلقي بظلالها على أوضاع الحكومة , التي تعترف بالصعوبة والمأزق , ولا تطرح وسيلة للخروج من هذا الخناق الذي يطل برأسه على الجميع .
تشهد الأسواق حالة إهتزاز نتيجة عدم الثقة بالإقتصاد , والخوف من الإنفاق لأن فرص العمل غير مضمونة في ظل حالة الكساد التي تطل برأسها , وعدم الإستقرار داخل أسواق العقارات وإرتفاع نسبة الغلاء نتيجة أثمان السلع الغذائية , التي شهدت طفرة إلى أعلى في الشهور الأخيرة .
والغريب أن رئيس الوزراء غوردون براون , الذي ضمن لحكومة العمال خلال عشر سنوات , الإستقرار بسبب الإزدهار الإقتصادي , يدفع هو نفسه ثمن ما تحقق , إذ منذ توليه رئاسة الحكومة , بدأت الأزمات تهب على الإقتصاد البريطاني وتعرقل قفزاته وتكبح جماح نموه . و < براون > يعاني هو نفسه من نكسات سياسية , نتيجة تعثر المسار الإقتصادي وتراجع النمو , والحديث عن كساد طويل سيغلف الحياة البريطانية لفترة ليست بالقصيرة . ويتحدث رئيس الوزراء عن قدرة حكومته تخطي حاجز العجز الحالي , غير أن وزير الخزانة خذله بالحديث عن أزمة طويلة سيصعب الخروج منها في الوقت الراهن .
وكان محافظ البنك المركزي لإنكلترا مارفين كنغ , تحدث بدوره عن سنوات صعبة في الطريق , نتيجة إنفلات معدل التضخم من حواجز الضمانات التي وضعتها الحكومة , ولإرتفاع أسعار النفط العالمية كذلك تحريك أثمان السلع الغذائية .
تحدث كنغ , عن أزمة طويلة ولم يحدد فترة للإنفراج والخروج من مأزقها الراهن . وجميع التوقعات تشير إلى خريف صعب وشتاء شديد الوطأة , نتيجة تلعثم الحياة الإقتصادية وإنعكاسها على الموقف السياسي كله , ووضع رئيس الوزراء غوردون براون .
وسيواجه حزب العمال والقيادة الحالية , الغاضبين خلال إنعقاد المؤتمر السنوي في مدينة مانشستر , حيث سيكون < براون > ضعيفاً في مواجهة خصومه , بسبب عدم وجود سياسات يطرحها , تنشر الأمل والرجاء بالهروب من المأزق الحالي .
يتحدث مراقبون أن براون سيواجه التمرد خلال إنعقاد مؤتمر الحزب الحاكم نهاية سبتمبر - أيلول , في ظل تكتل خصومه ضده وتحركهم لإزاحته وفتح أبواب المنافسة على موقع الزعامة ورئيس الحكومة .
وإذا لم يتمكن المتمردون من إقصاء < براون > في مانشستر , فإن الفرصة ستكون أمامهم مرة أخرى في شهر نوفمبر - تشرين الثاني , مع عودة البرلمان للإنعقاد وبدء الموسم السياسي وإعطاء فرصة لرئيس الوزراء لتحسين موقف الحزب داخل إستطلاعات الرأي . وإذا لم يحقق < براون > هذه الآمال المعقودة عليه , فإن التمرد سيجد طريقه للتخلص منه , وإحلال زعامة أخرى تكون قادرة على حل الموقف .
وقد أشار بعض حلفاء < براون > عليه الدفع نحو تعديل وزاري يقوي حكومته ويعطي الرأي العام الأمل , لكن حتى الآن لا توجد مؤشرات على هذا الإتجاه وخصوصاً أن إنعقاد مؤتمر حزب العمال على الأبواب .
تنعكس الأزمة الإقتصادية على الحياة السياسية بشراسة بالغة , وبعد أن كان براون هو نجم الإزدهار في حقبة ماضية , تحول إلى رمز الإحباط لحزبه وللرأي العام , بعد تراجع شعبيته إلى الحضيض بنسبة 20 % فقط , بينما الحزب المحافظ يقف عن سقف 42 % من أصوات الناخبين .
وتشير تصريحات وزير الخزانة ألستر دارلنغ , إلى أيام صعبة قادم للحكومة ولبريطانيا بشكل عام . وأن يعلن قيادي بارز في الحكومة والحزب الحاكم عن يأس وحالة قتامة , فهذا يضيف المزيد من القلق والإضطراب للبريطانيين , الذين تعودوا على الإنفاق ببذخ في المتاجر الفاخرة والذهاب إلى المطاعم الراقية داخل العاصمة والتوجه إلى المسارح ودور السينما والتمتع بحياة صاخبة , نتيجة لتدفق المال إلى جيوبهم , والذي يشح الآن وتظهر مظاهر الركود وعدم الإنتعاش , مما يدفع الجميع نحو الشعور بالإحباط : الحكومة والوزير الذي يدير الشأن المالي ألستر دارلنغ .