تواصلت فعاليات الدورة الخامسة والستون من مهرجان فينيسيا السينمائي الذي يقام سنويا في جزيرة ليدو، إحدى جزر المدينة العائمة الشهيرة منذ مساء الأربعاء الماضي.
عرض في الافتتاح فيلمان: قصير وطويل. الفيلم القصير بعنوان "من المرئي إلى اللامرئي" (7 دقائق) من إخراج أحد عمالقة الفن السينمائي في العالم وهو البرتغالي مانويل دي أولفييرا، أقدم السينمائيين الذين مازالوا على قيد الحياة، فقد بلغ عامه المائة (من مواليد 1908).
بدأ أولفييرا العمل في السينما الصامتة عام 1932، وأخرج فيلمه الروائي الطويل الناطق عام 1942.والفيلم القصير الذي عرض في الافتتاح قبل عرض الفيلم الطويل، يعتبر تحفة خالصة وعملا كبيرا رغم قصر طوله. والأعمال الفنية عموما لا تقاس بالطول ولا بالزمن.
العجز عن الاتصال
يصور أوليفييرا بطليه اللذين يرتبطان بصداقة متينة وهما يلتقيان في شارع رئيسي معروف في مدينة ساو باولو البرازيلية. الشارع مزدحم، صاخب، يوحي بكل أشكال الحداثة السطحية، والتدهور الذي أصبحنا نعاني منه في حياتنا المعاصرة دون أن نلتفت إليه: الضجيج، والتلوث، والفقر، والتناقضات الطبقية المرعبة، والتدافع المحموم في السير وقيادة السيارات.
ورغم هذا كله، هناك مظاهر التكنولوجيا الحديثة التي نتشبث بها تحت تصور أنها تقرب المسافات، في حين أنها في الحقيقة تقضي على خصوصيتنا واتصالنا الإنساني الحميمي المباشر.
الصديقان يحاولان الكلام معا، ولكن في كل مرة، وقبل أن يكمل أحدهما فكرة واحدة أو جملة مفيدة، يرن الهاتف المحمول، يقطع المحادثة، ويتبادل الرجلان الأدوار إلى أن يملا من تكرار المقاطعة فيقرران التحدث إلى بعضهما البعض باستخدام الهاتف المحمول لكي يضمنا ألا يتصل بهما أحد ويقطع محادثتهما.
لقد طغت الطريقة الاصطناعية الدخيلة مسيطرت على قدرتنا على الاتصال والتواصل الانساني المباشر. تعليق ساخر ولاذع على ما بلغناه من تدهور باسم التكنولوجيا الحديثة. وبلاغة بصرية تلخص كل شئ دون أي محاولة للتفلسف الكاذب. فيلم أوليفييرا فيلم حميمي، أقوى من كل الكلمات التي يمكن أن تقال تعليقا على العالم المعاصر، الذي بلغ أدنى درجات الاستهلاك، بل والاستعلاء على المشاعر البسيطة. بل وهو فيلم بألف فيلم.
إحرق بعد القراءة
أما الفيلم الروائي الطويل "إحرق بعد القراءة" Burn After Reading للأخوين جويل وإيثان كوين، فقد شهد المهرجان عرضه العالمي الأول المنتظر وسط اهتمام كبير، أولا بسبب النجاح الكبير الذي حققه الفيلم السابق للأخوين كوين "ليس بلدا للرجال العجائز" No Country for Old Men، وثانيا بسبب الحضور القوي لكل أبطال الفيلم من كبار نجوم هوليوود.
والحقيقة أن الفيلم يعد نوعا من التحدي الفني أمام أي سينمائي، فالسيناريو يضم 6 شخصيات رئيسية تنتقل الأحداث فيما بينها، وهو ما يصعب ضبطه فنيا ويقتضي توازنا دقيقا في بناء السيناريو، فالقاعدة القديمة أنك لا تكتب لأكثر من 3 شخصيات رئيسية وإلا تاهت منك خطوط الفيلم.
ثانيا: رغم أن محورا أساسيا من محاور الفيلم هو محور الجنس إلا أن لا وجود هنا لممثلة أو أكثر من ممثلات الإثارة أو اللاتي عرفن بالجاذبية الجنسية، بل على العكس تماما، فهناك أولا الاسكتلندية تيلدا سوينتون ذات الملامح الأقرب إلى الخشونة والذكورة، والأمريكية فرانسيس ماكدورماند التي تجاوزت منتصف العمر ولم يعرف عنها أصلا أنها كانت من الجميلات.
والمقصود بالطبع أن لا يتركز اهتمام المشاهدين على الملامح الخارجية للممثلتين، بل أساسا على كونهن من النساء العاديات أو حتى الأقل من العاديات في المظهر.
فرانسيس التي تلعب دور ليندا هي امرأة تعمل في ناد للتدريبات الرياضي، تسعى بشتى الطرق لإقناع شركة التأمين الصحي التابعة لها بالموفقة على قيامها بإجراء سلسلة من عملات التجميل، تأمل من خلالها الظهور بشكل جديد تماما أكثر جاذبية.
وهي تحاول اقامة علاقات مع الجنس الآخر عبر شبكة الانترنت، وتلتقي خلال ذلك برجال لا يثيرون خيالها، لكنها لا تكف عن البحث عن رجل الأحلام الذي يتمتع بخفة الظل، وتعتر إجراء عمليات التجميل ضرورة أساسية للوصول إلى مبتغاها.
زميلها في العمل الشاب "تشاد" الذي يقوم بدوره النجم الشهير براد بت، وهو دور جديد تماما عليه. هنا يبدو تشاد كشاب من شباب جهاز الأي بود ipod الذي لا يكف عن الحركة ويتطلع إلى اللحظة المناسبة التي تكفل له نوعا من الخلاص المادي.
ويتصور أن هذه اللحظة قد أتت عندما تقع في يده اسطوانة رقمية يكتشف أن عليها مذكرات يكتبها عميل سابق للمخابرات المركزية الأمريكية.
هذا العميل السابق هو "أوزبورن كوكس" الذي يقوم بدوره جون مالكوفيتش، كنا قد رأيناه في المشهد الأول من الفيلم وهو يفقد وظيفته بدعوى أنه مدمن على الشراب، لكن إدارة المخابرات تريد الخلاص منه.
وأوزبورن متزوج من كات (تيلدا سونتون) التي تقيم علاقة جسدية مع رجل آخر هو مفتش الضرائب هاري (جورج كلوني) وهو بدوره متزوج لكن زوجته لم تعد تثق به.
كات تطرد زوجها من منزل الزوجبة وترفع قضية طلاق، وزوجة هاري ستأجر محاميا يحاول اثبات تهمة الخيانة على زوجها، فياخذ أعوانه بملااقبة كل حركاته وسكناته. أما تيد فهو رئيس كل من تشاد (براد بت) وليندا (فرانسيس ماكدورماند) في العمل، وهو مغرم بليندا التي لا تعيره التفاتا، بل تكشف له محاولاتها العثور على رجل ترضى عنه. ويكشف هو لها أنه كان في الماضي قسا لكنه ترك سلك رجال الدين، وهو لذلك يحذر طوال الوقت من مغبة التورط في اللعبة.
تداخل
هذه السلسلة من الأحداث ليست سوى لعبة تنغمس فيها الشخصيات، ويشركنا فيها مخرجا الفيلم، بعقولنا ومشاعرنا، خالقين مسافة، في الوقت نفسه، بيننا وبين ما نشاهده، لكي نضحك ونشارك في السخرية اللاذعة.
الأحداث تتعقد. تتداخل مصائر هذه الشخصيات وتتقاطع على نحو غير متوقع في اطار مشوق لكنه مضحك، والضحك هنا ينبع من كون هذه الشخصيات جميعها، بشكل أو آخر، شخصيات خاسرة، تريد أن تفعل شيئا، لكنها في كل مرة تفشل.
إنها صورة ساخرة لأمريكا المعاصرة: التجسس، والجشع، والخيانات المتعددة، والبارانويا المتصاعدة، وعدم الثقة في الذات، والتشكك في الآخرين.
الفشل والجريمة
الفشل قد يؤدي إلى الجريمة، أو إلى أن يفقد المرء حياته بكل بساطة وبشكل غير متوقع. هنا يقدم الأخوان كوين الموت كما عهدنا في أفلامهما، أي بشكل عبثي وإن كان شديد الدموية.
هناك شئ ما في هذ الفيلم يسري أيضا في كل الشخصيات: انعدام الثقة بالنفس، وبالغير، والرغبة الغامضة في العثور على منفذ للخلاص. بل وحتى قيادات المخابرات المركزية، كما نرى، التي تتابع كل تعقيدات القصة من كل أطرافها، وتلم بكل ما يحدث، لا تفهم شيئا، بل إنها تعجز عن عمل أي شئ لوقف مسلسل التدهور والجرائم في الوقت المناسب.
مديرالمخابرات يبدو مرتاحا فقط لفكرة "دفن الجثة" أو "حرقة الجثة" كما لو كان هذا كفيلا بقلب الصفحة.
هناك محاولة لبيع القرص الذي يحتوي على مذكرات العميل السابق أوزبورن كوكس إلى أوزبورن نفسه أولا، ثم إلى السفارة الروسية بعد أن يرفض أوزبورن ويهدد ويتوعد، ثم محاولة للتجسس على الجاسوس السابق واقتحام بيته لمعرفة ما يجري من أحداث غريبة، مما يؤدي إلى كارثة. وهناك وسط هذه الأحداث كلها حالة من "البارانويا" تسيطر على الجميع.
حس عبثي
في نهاية الفيلم يتساءل مدير سي أي إيه": ما هو الدرس الذي نخرج به من هذا كله؟ فيجيبه مساعده: ربما أن نفعل الأشياء بالشكل الصحيح في المرة القادمة!
وينتهي فيلم فيه الكثير من الحس العبثي الساخر، على طريقة أفلام الأخوين كوين أيضا التي قد تبدو وكأنها تدور في الواقع في حين أنها فنيا، تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ "ما وراء الواقع".
ليست هذا تتكلم بالضرورة هذه الشخصيات في محيطها الاجتماعي في مدينة واشنطن التي تدور فيها الأحداث.
وليست هكذا تنتهي المصائر بشكل درامي قاس معظم الوقت. وليست هكذا تخرج تلك الشخصيات إحباطاتها وتعبر عنها. لكنه "رؤية" الأخوين كوين، اللذين لاشك أنهما يمتلكان عالما خاصا يعبران عنه من فيلم إلى آخر.
"إحرق بعد القراءة" يسير على نفس مسار الفيلم السابق "ليس بلدا للرجال العجائز"، أي في طريق السخرية السوداء، والمبالغة في الأداء وجعله كاريكاتوريا عن عمد لتجسيد المأزق، والاعتماد على الارتباك الذي ينتج من تداخل الشخصيات والأحداث. ولاشك لدينا أن انطلاقه في فينيسيا سيوصله في العام القادم إلى عدد من ترشيحات الأوسكار.. لننتظر ونرى!