في الثالثة من صباح الأربعاء الماضي 13 أغسطس، شددت الرحال الي جوهانسبرج العاصمة الاقتصادية لجنوب أفريقيا للمشاركة في «مؤتمر جنوب أفريقيا حول ديمقراطية المشاركة»، الذي استضاف «الحزب الشيوعي لجنوب أفريقيا SACP» وتتولي تنظيمه والدعوة إليه بالتعاون مع المدير اليساري الدولي «VIF» وهو أحد إبداعات حزب اليسار السويدي.
أمضيت في جنوب أفريقيا ستة أيام حافلة، وعدت الي القاهرة صباح الثلاثاء قبل الماضي 19 أغسطس، وباستثناء يومي السفر والعودة أمضيت الرحلة في عمل متواصل داخل قاعة المؤتمر عدا اليوم الأخير «الاحد 17 أغسطس» حيث أنهي المؤتمر اعماله ظهر اليوم الأحد، وبالتالي أتاح لنا قبول دعوة لتناول طعام الغداء في مدينة بريتوريا.
كانت الدعوة موجهة من مجموعة من الاخوة السودانيين العاملين في جنوب أفريقيا لوفد الحزب الشيوعي السوداني المشارك في المؤتمر والمكون من الصديق محمد ابراهيم نقد السكرتير العام للحزب وايمان مصطفي حمد ومحمد مختار حسن الخطيب وجوزيف جوزيف قرنق.
وعندما علم اصحاب الدعوة بوجود مصريين مشاركين في المؤتمر هما حسين عبدالرازق «حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي» وصلاح عدلي «الحزب الشيوعي المصري» أصرا علي دعوتنا، وقبلنا الدعوة مرحبين فالعلاقة بين السودانيين والمصريين علاقة خاصة للغاية وحميمية دائما.
قطعنا الطريق من جوهانسبرج الي بريتوريا في حوالي 50 دقيقة وقد استغرقنا في مشاهدة جمال الطبيعة والاستمتاع بها، كانت سلسلة المصانع التي تحتل الجانب الايمن من الطريق شاهدا علي التقدم الصناعي الكبير لجنوب افريقيا، بينما كان الجانب الايسر كله مساحات خضراء شائعة واشجار باسقة، تعد نموذجا للخضار الذي يكسو أغلب جنوب افريقيا ويوفر لها الاكتفاء الذاتي في الطعام وتصدير ما يزيد علي الحاجة، وأحد اسباب انتعاش السياحة فيها والتي تحتل المصدر الثاني للدخل بعد الصناعة، وعندما وصلنا الي «بريتوريا» العاصمة الادارية لجنوب أفريقيا، فوجئنا بدخولنا الي «منتجع سياحي» اذا جاز التعبير، فالمدينة عبارة عن مجموعة من «الفيلات» الجميلة تحيط بكل منها حديقة كبيرة، وقد بنيت المدينة علي سبع هضاب خضراء، ويسودها هدوء يبعث في النفس الراحة والطمأنينة، فبريتوريا - كغيرها من مدن جنوب أفريقيا - لا تسمع فيها علي الاطلاق أصوات «كلاكسات» السيارات، فهي ممنوعة تماما.
المهم.. فبعد الغداء السوداني الفاخر في حديقة منزل مضيفنا «د. عبدالله حمدوك» المدير الاقليمي لأفريقيا والشرق الأوسط لـ «المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية IDEA»، دخلنا الي المنزل هربا من برد الشتاء الخفيف في جنوب أفريقيا، وبدأت «الونسة» السودانية والنقاش بين الحاضرين «12 سودانيا و2 من المصريين»، وتوزع السودانيون بين أبناء الشمال والجنوب ووادي حلفا، وبين أعضاء في الحزب الشيوعي السوداني وآخرين غير منتمين له بل وبعضهم ناقد للحزب.
كان أول المتحدثين بالضرورة هو محمد ابراهيم نقد الذي أقيم الغداء علي شرفه، واختار نقد الحديث عن الانتخابات البرلمانية التي ستجري في السودان في مارس القادم «2009»، وأشار الي الشعار الذي قرر الحزب الشيوعي السوداني خوض الانتخابات علي أساسه وهو إسقاط حكم حزب المؤتمر الوطني بزعامة الفريق «عمر البشير» قائد آخر انقلابات السودان العسكرية، ودعوة كل القوي التي تقبل هذا الهدف للتحالف في الانتخابات لتحقيقه.
وبدأت المناقشات والتساؤلات وتركزت علي تحديد القوي التي تشارك في التحالف المقترح والضروري لإنهاء حكم المؤتمر الوطني بزعامة البشير، فالبعض تساءل عن موقع الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة سلفا كير الذي تولي رئاسة الحركة بعد مقتل قائدها «جون قرنق» فبعد اتفاق «نيفاشا» أصبحت جزءا من السلطة القائمة وحليفا بالضرورة للمؤتمر الوطني، بصرف النظر عن الخلافات مع البشير وحزبه والصدامات اليومية بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، ولكن نقد أكد أن أي تغيير في السودان لن يتحقق بدون الحركة الشعبية لتحرير السودان، وأنه من الضروري فهم الوضع الخاص والمعقد للحركة، وأشار الي اتفاقية نيفاشا ودخول الحركة الشعبية كشريك في السلطة وتكوين حكومة الجنوب وهو ما ادي الي تحقيق السلام، وليس من مصلحة السودان أولاً والحركة الوطنية السودانية والحركة الشعبية خرق بنود إتفاق السلام والعودة للحرب الأهلية مرة اخري، ونبه المتحدثون الي الاستغناء الذي سيجري في الجنوب حول وحدة السودان أو انفصال الجنوب.
وطرح تساؤل عن اتجاهات التصويت في هذا الاستفتاء وهل سيكون لصالح الوحدة أو الانفصال وأدلي الثلاثة المنتمون للحزب المتواجدين في هذه الونسة بآرائهم، وهم الفريد متعب، وجون نيوت يوه وصابر ابراهيم وهم يعملون يعمل في مكتب تمثيل حكومة جنوب السودان في بريتوريا، وتفاوتت الآراء بين وجود اتجاه غالب بين أبناء الجنوب يري ضرورة التصويت لصالح الانفصال، وبين القائلين ان الامر سيتوقف علي مدي التزام حكومة البشير بتنفيذ اتفاقيات السلام - وهو الأمر غير المتحقق حتي الآن - وعلي نتائج انتخابات البرلمان الجديد في مارس القادم والتغيير الذي قد يحدث في الحكومة المركزية، وبالتالي فاحتمال تصويت ابناء الجنوب لصالح وحدة السودان احتمال قائم.
وانتقل الحديث بعد ذلك الي موقف حزب الأمة بزعامة صادق المهدي وحزب الاتحاد الديمقراطي بزعامة عثمان الميرغني، فالبعض كان يري ضرورة استبعادهم من أي تحالف في المعركة الانتخابية باعتبار أنهما حزبان تقليديان يمينيان يقومان علي أسس طائفية ودينية، ولا يمكن أن يساهما في تحقيق «السودان الجديد» الذي دعا إليه «جون قرنق» قبل مقتله، اضافة لوجود موقف من الحركة الشعبية ضد حزب الامة وصادق المهدي لدوره في تعطيل وافشال اتفاق أديس أبابا بين الشمال والجنوب، وأن التحالف المطلوب علي أساس الشعار والبرنامج الذي طرحه الحزب الشيوعي السوداني لابد أن يقتصر علي الحزب الشيوعي السوداني والحركة الشعبية لتحرير السودان.
لم يوافق محمد ابراهيم نقد علي هذا الطرح، وقال إنه ليس من حق الحزب الشيوعي أن يحدد من ينضم أو لا ينضم للتحالف المقترح، فالحزب قد طرح مشروعه لتكوين تحالف انتخابي لإسقاط حكم المؤتمر الوطني والبشير، ومن يقبل هذا الطرح بقرار منه ويقرر أن يكون جزءا في هذا التحالف فهو موجود فيه، ومن لا يقبل به فهذا شأنه، ولفت النظر أن الجماهير الواسعة التي تقف الي جانب الحزبين هي جزء أساسي من الشعب السوداني الذي يعاني ويريد التغيير، وطالب نقد بالتفرقة بين مرحلتين، مرحلة الانتخابات والتي تركز علي هدف اجراء تغيير إيجابي في السلطة المركزية، وهي مرحلة تتطلب تحالفا مؤقتا لتحقيق هدف محدد خلال الأشهر السبعة القادمة، وصعود تحالف جديد للحكم من أجل العودة للديمقراطية، ومرحلة ثانية هي مرحلة بناء «السودان الجديد» الذي طرحه جون قرنق ولم يعد مطروحا الآن من جانب سلفا كير أوغيره، ويحمل رسالته تحالف من نوع آخر طبقي بالضرورة ومدني وديمقراطي.
لم تتم مناقشة قضية دارفور خلال هذه «الونسة» ربما لأن هناك اتفاقا علي الموقف منها بين الحاضرين، خاصة ونقد قدم ورقة ضامنة حول دارفور في المؤتمر ولكنها كانت حاضرة في تعليقات كل المتحدثين.
كذلك كان للأوضاع في مصر نصيب في هذا اللقاء لوجودنا فيه، وقمنا بشرح مركز للأوضاع السيئة في مصر وأبعاد الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمسك بخناق الوطن في ظل الدولة البوليسية دولة الحزب الواحد التي تحتكر السلطة والثروة لما يقرب من نصف قرن.
وفي حوالي العاشرة مساء انفضت «الونسة» وعدنا الي جوهانسبرج نحمل مشاعر الود والمحبة لهؤلاء الاشقاء السودانيين.