|
تثير لوحات الإستشراق دائما ً , هذا التأمل والإبحار في رؤية القرن التاسع عشر الغربي لعالم الشرق . وتطرح الأسئلة نفسها عن هذا التيار الذي إنتشر , مبهوراً بعالم مختلف تطل عليه الشمس , ومفتوحاً على أبواب الصحراء , ونوافذ الحياة المختلفة .
لقد وجد مجموعة من الفنانين الغربيين , الوجه الآخر للحياة , حيث كانت أوروبا تعيش تحت ظلال مداخل المصانع , وتظهر ملامح الواقع الصعب في شوارع لندن المظلمة , حيث الأمراض والأوبئة , ومعدل الجرائم المتزايد وقصص < جاك القاتل > الذي كان يتعقب النساء ويقتلهن بطريقة بشعة للغاية .
وصوّرالكاتب الإنكليزي < تشارليز ديكنز > هذه الأجواء عن الحياة اللندنية في أعماله الكبرى مثل < أوليفر تويست > و < ديفيد كوبر فيلد > .
عاشت العواصم الغربية مع بدايات القرن التاسع عشر وخلال فصول هبوب الثورة الصناعية وبروز عصر الآلة , حياة من الناقض والتبلور الشديد والخروج من عصر والقفز إلى آخر .
هذا العالم الجديد , أفرز أمراضه الإجتماعية , وبدأ الصراع الحاد , حيث كانت الطبعة الأولى للرأسمالية تقوم على الإستغلال وساعات العمل الطويلة , وأفرزت هذه المعادلة من المواجهات والإضطرابات , خصوصاً وأن العصر الجديد أيضاً جاء بالبرلمان والنقابات والكفاح السياسي للحصول على حقوق مدنية .
كانت مدن العالم الصناعي مشتبكة مع نفسها في مواجهات وسعي للخروج من حال إلى آخر . وقد نمت خلال هذه الحقبة في جذور وأغصان الفن , العوامل الرومانسية وأزهار البحث عن الوجدان , بالهروب من الواقعية التي حلت داخل الشوارع والمصانع , وترتب عليها فقر الفن والفكر معاً , وضمور أشكال الحياة المتعددة الأوجه .
وعندما ذهب الفنانون الغربيون إلى الشرق , كان الإختلاف يعبر عن قارة مختلفة , وأول لمحات اللقاء مع عالم مختلف , هو وجود هذا الإرث المتراكم عبر قرون من حضارات جائت وعاشت ثم طغت عدة أمواج أخرى على السطح , وبقى كل ش يتجاور في أجزاء الصورة الشرقية .
وعلى الرغم أن القائد الفرنسي نابليون جاء إلى الشرق غازياً , إلا أن البعثات العلمية التي رافقته , عكفت على الكتابة وإعادة إكتشاف الشرق والتعرف على تاريخه القديم من خلال الفصل المصري الفرعوني ثم أوراق حضارة الإسلام .
وعندما جاء الفنانون المستشرقون , وجدوا إرث الحملة النابليونية بكتاب < وصف مصر > ليسجل لوحات في المعرفة الإكتشافية , عبر الكتابة عن كافة طبقات التاريخ والحياة التي كانت موجودة على أرض الكنانة .
وبينما أوروبا , كانت مشغولة بإكتشاف الآلة , عثر الباحثون الذين جاءوا مع نابليون على الكنز الفرعوني بكل ما يعنيه من مظاهر الحياة القديمة التي نشأت فوق وادي النيل . وقد إهتم الرسامون المستشرقون برسم معابد الكرنك وآثار الأقصر والأهرامات وتمثال أبي الهول .
وكانت تلك بداية الإكتشاف للعالم الآخر , فالحياة الحضارية لم تبدأ في أوروبا , وإنما ريحها هب من أرض الشرق القديم .
ولعل هذا الإكتشاف يتشابه إلى حد بعيد مع دور العثور على العالم الجديد , بعد رحلة كريستوفر كولمبوس , غير أن ملامسة حضارة الشرق , أثار هذا التوهج الكامل , حيث أن هذا العالم ظل موجوداً يعيش داخل زمنه الخاص ومعاركه في صد الغزوات الخارجية .
ولم يكن دور الإستكشاف الغربي بالفكر أو الفن , في خدمة الإستعمار لإعادة السيطرة على هذه المناطق , فقد كان هذا التوجه لدى بعض المستشرقين , غير أن الجزء الأكبر صدمته وجذبته عوامل التراكم الحضاري البديع , وإعادة الإكتشاف بأن الشرق هو محور العالم القديم كله , وأنه ظل لقرون طويلة , المركز وبؤرة الحياة والأفكار .
وقد إحتفظ الشرق بهويته دون تغيير , فعلى الرغم من عوامل الضربات والحملات العسكرية , إلا أنه في عمومه ظل يحمي خصوصيته , فقد إستمر التراكم قرناً بعد آخر , ينمو داخل شكل الحياة وطرق العمارة والبناء والعقائد وأسلوب العيش .
انبهر الفنانون المستشرقون بعمارة المساجد الإسلامية , وفن البناء الذي إعتمد على إستلهام أسس العقيدة , وتشييد هذا النسق لتلبية حاجات الإنسان وتقربه إلى خالق الكون العظيم .
عندما جاء الفنانون الغربيون إلى الشرق , كان شكل العمارة التي نهضت في العصر المملوكي , شامخاً , واستقطب بناء المساجد في منطقة القلعة المصرية , إهتمام تشكيلات الموجة الفنية بالخصائص التي تُشكل هذا النموذج الفريد .
إن شكل العمارة الإسلامية في القاهرة القديمة , يرسم خصوصية غاية في التميز , لأن النمط الإسلامي في البناء , يعتمد على البعد الإنساني وربطه بالعقيدة , فالمسجد في قلب حياة الناس , وهو ليس المكان المنعزل خارج القرية أو المدينة , وإنما < الجامع > يفتح أبوابه الإسلامية لعمق الحياة , وتظل مفتوحة , منذ الفجر حتى أداء صلاة العشاء , وهو المكان الذي تتلى فيه آيات الله , ويجري في صحنه تعليم القرآن الكريم واللغة العربية , والدعوة إلى الله والإستماع إلى خطبة الجمعة , بما تشمل من تعاليم ونصائح , وحث على طاعة الله ورسوله والإذعان لقيم الشريعة .
كل لوحات الإستشراق الفني مشغولة بالمساجد والعمارة الإسلامية , من مدارس وكتاتيب وأسبلة وقصور السادة وبيوت عامة الناس . غير أن البناء المدهش للمساجد , هو محل إهتمام الفنان الأوروبي , الذي جاء للمرة الأولى إلى الشرق , ووجد المؤذن يدعو إلى الله من مأذنة عالية , تُشرف على المدينة كلها , التي تنتظر في أوقات الصلاة الإستماع إلى الآذان الذي يأتي دائماً بصوت جميل جذاب يصدح في الأفق بكلمات الله ورسوله الكريم .
والمنحنى الثاني الذي شد إهتمام الفنان الغربي , هو إرتباط العقيدة بحياة الناس , لذلك تركز لوحات كثيرة على الصلاة ورسم ساحة المسجد الداخلية , والتركيز على زخرفة تعتمد على جماليات الحرف العربي , الشديدة الإبهار لعين الفنان , الذي إعتاد روؤية الأشكال المصورة .
أما في الشرق فإن التجريد يتجلى في كتابة الحروف العربية , التي تبرز وكأنها تصلي في محراب الإيمان .
شد إهتمام الأوروبي قوافل الحج لأداء تلك الفريضة , وتهتم لوحات الإستشراق ببعثات الحج التي تتجه نحو الأراضي المقدسة بهذا الحشد من الحجاج تلبية لفرض الله , والذهاب إلى مكة والطواف والصعود إلى عرفات ورمي الجمرات والإتجاه إلى منى والمزدلفة لأداء شعائر الحج التي بسطها كتاب الله .
الخاصية الأخرى التي بهرت الفنان الغربي بأجواء الشرق , هو مناخ الحياة المفتوحة والممتدة على أفاق النهر اليومي . إن الشرق يميزه هذا الإنفتاح على طرق وأساليب فن المعيشة , خارج الأسوار في الأسواق والطرقات .
وقد جاء الفنان الغربي , من أجواء الأمطار والمنازل المغلقة الأبواب دائماً , وأسلوب عدم التجاور الإجتماعي , فالإنسان الغربي يعيش في صندوق مغلق , بلا نوافذ تفتح شبابيكها على الضوء وأشعة النهار , المحتجبة دائماً في عالم الغرب المطير . ومن المؤكد أن أسلوب الحياة في الشرق جذب إهتمام الفنان الغربي , الذي كان مسجوناً داخل أنماط متكررة , ووجد في سماء الشرق , أسلوباً مختلفاً يعتمد على الدفء وآشعة الشمس والحياة الإجتماعية النابضة .
وأهم ما لفت الإنتباه , هو التعليم في الساحات المفتوحة وداخل المساجد , حيث يتولى المعلم تحفيظ القرآن الكريم والحوار مع تلاميذه عبر تلك الحلقة العلمية .
ركزت حركة الإستشراق الفني على أجواء الحياة في عالم مختلف , كان آنذاك يمثل الوجه الآخر للغرب الغارق في آتون الثورة الصناعية , حيث ضجيج الآلات , وتظاهرات الغضب في الشوارع والصدام بين الشرطة والمحتجين على عُسر الحياة وتفاقم الإنشقاق بين الذين لا يعملون ويحصلون على كل شئ , وهؤلاء الذين يكدحون وليس لديهم المال أو الطعام أو المسكن النظيف .
إن الإستشراق الفني بعيداًُ عن النمطية وبعض الإتهامات , كان يسعى لمعرفة هذا الآخر , وتأمل أسلوب حياته , ومرافقة لوحات التيار اليومي للبشر , في الأسواق والطرقات وداخل المساجد ودور العبادة .
وتهتم عدة لوحات من فن الإستشراق بالقدس , وبأعمال أخرى تُعبر عن التاريخ وسيرة الأديان , التي خرجت كلها من هذا الشرق المثير للتأمل والتفكير , والذي حافظ على هويته على الرغم من عشرات الغزوات والحملات العسكرية .
ولم يهتم الغزاة لمعرفة أسرار الشرق الحضارية , نابليون فقط , هو الذي أمر بالدراسة , إذ اعتقد أنه سيمكث طويلاً , غير أن المقاومة في الأزهر وحواري القاهرة أجبرته على الرحيل . ويظل كتاب الحملة الفرنسية < وصف مصر > يكشف إهتمام العلماء وأهل الفكر والفن بهذا الشرق , الذي اكتتشفوه بعمق التراكمات الحضارية وبدايات الفعل الإنساني والتألق على ساحات الكتاب الحضاري البشري .
تعطي لوحات الإستشراق , لمحة عن < الشرق الفنان > ونمط الحياة المفتوحة , ودور العقيدة والإيمان . وقد كانت هذه القوافل التشكيلية مغرمة بالإكتشاف الإنساني لذاته فقط .
ومجموعة لوحات الإستشراق , عزف جميل على صورة الآخر الحضاري , صحيح أن هناك بعض الغلو في الخيال والإعتماد على حكايات ألف ليلة , غير أن الكم الأكبر هو الإعجاب بهذا الشرق , الذي يشكل هوية خاصة بنمط الحياة وتقاليد الطبيعة , وسمات العقيدة , التي طبعت الناس بتميز وخصوصية , ستظل إلى الأبد علامة على تراث هذه المنطقة .
تأمل لوحات الإستشراق , يعطي هذه القفزة الأوروبية نحو الشكل الآخر , الذي عاند ولا يزال طبيعة الإنصهار , وحافظ على متاريس الهوية بكل قوة وزخم وإصرار .
|
|