الكثير من المغتربين العراقيين , الذين تركوا البلاد في فترات متفاوتة , وعاشوا في مجاهل الغرب وطقوسه التي تعوّدوا عليها , حتى بدت ملامحهم قريبة منها , حيث صار العراقيّ المغترب معروفا من تصفيف شعره , وحلاقة شاربه , ونوع وألوان ملابسه , وحتى لكنته , نقول أن الكثير من هؤلاء المغتربين , يأتون إلى البلدان المجاورة للعراق , وبالذات إلى سوريّة , كي يسمعوا أنين الوطن ونبضاته , ويشعرون بقربهم منه , وهم الغارقون شوقاً إليه , الضاجّون لوعة واهتياجاً لمرافئ ذكرياتهم فيه , وما أن يدخلوا سرّ الحياة العربيّة المتاحة في دمشق , حتى يطلقون عطشهم , ويعترفون بأنهم بحاجة إلى زوجة عراقيّة , تأخذ منهم الكثير من خيبات الغربة , وتخفف من جبال الغربة , ويعترف هؤلاء المغتربون بأنهم لم يجدوا ضالتهم في جميع النساء الغربيات اللائي التقوا بهن , لذلك , قطعوا البحار والمحيطات , وهيأوا كلّ شيء , للحصول على امرأة تناسب تطلعاتهم الإنسانيّة , وتوفرّ لهم الحنان والدفء والبيت الحقيقي الذي يضم أسرة كريمة , يطمح المغترب إلى بنائها بناءً حقيقيا بعيدا عن مؤثرات الغرب , وبرده وجباله , وثقل طقوسه .
المغترب العراقي ( ك . ح ) الذي يقيم منذ ثمانينات القرن الماضي في بلد أوربي بارد جميل , جاء مفعما بالشوق واللهفة لبلاده , والزواج من ابنة خاله التي أحبها وأحبته , لكنه ترك البلاد لظروف ألمّت به , قال لي : أنا دائم الاتصال بحبيبتي وأهلي , وقد جئتُ إلى دمشق من أجلها , كي نتزوج وأحقق أمنيتي وحلمي في بناء أسرة , عراقية أصيلة تحافظ على تقاليدها وأعرافها , وأنتظر وصول حبيبتي , مع أخيها , وسترافقهم والدتي لنقيم مراسم الزفاف هنا في دمشق , ثم آخذها معي , لتطفئ نار غربتي .
أما المغترب ( ع . ز ) , الذي ترك العراق في تسعينيات القرن الماضي , وسكن هولندا , فهو يقول : لم تعجبني إلا المرأة العراقيّة , هي أمي وأختي , وحبيبتي المفقودة التي أبحث عنها , لقد كلّفتُ أهلي في جنوب العراق , للبحث لي عن امرأة مناسبة , تستطيع العيش معي , أما أنا فلي الشغف كلّه للاقتران بامرأة عراقيّة , تعرف قدر زوجها وتحترمه وتحبه , وتوفر له الوطن البديل والدفء والحنان , سألته : ألم تعجبك امرأة أوربية فتقترن بها فنساء أوربا جميلات كما هو معروف ؟ ... قال لي بحسرة : نعم هنّ في غاية الجمال والرقّة والعذوبة , لكننا لا نستطيع الزواج منهن , أننا نريد امرأة تعرف طقوسنا , وتشعر بنا شعوراً إنسانيا مختلفا , وهذا الأمر لا يعني انتقادي للمرأة الأوربية , على العكس من ذلك , فالمرأة الأوربية تتمتع بجاذبية وحيوية وقوة شخصية وجمال كبير , لكننا , نريد رائحة الوطن , وامرأة منه تذكرّنا بأمهاتنا , وأخواتنا , وفصول حياتنا التي ابتعدنا عنها مضطرين .
أما ( م . و ) فقد كان شديد الحماس للبحث عن امرأة لم يحددها بعد , إلا أنه يريدها عراقيّة , إذ أنه فشل في زواجه من امرأة أجنبية مرتين , وهو المقيم في أمريكا منذ خمسة عشر عاماً يقول : لم استطع العيش مع المرأة الأجنبيّة , كما أنها لم تستطع التواصل معي , لذلك فشلتُ مرتين , وهاأنذا , أستعين ببعض الأصدقاء هنا , للبحث عن زوجة عراقيّة تتحملني وأتحمّلها لنعيش حياة مشتركة , نتواشج فيها ونتفاهم ...
وهكذا , الكثير من المغتربين , عيونهم وقلوبهم على الوطن , الذي سيعودون إليه حتما , مهما طالت رحلة الاغتراب , مؤمنين بالبيتين الشعريين الخالدين المعبّرين عن سرّ الالتصاق بالوطن الأوّل :
نقّلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوى
ما الحبُّ إلا للحبيبٍ الأوّل ِ
كم ْ منزل ٍ في الأرض ِ يألفهُ الفتى
وحنينُهُ يبقى لأوّل ِ منزل ِ