مع بدء العد التنازلي لمرحلة جورج بوش في البيت الأبيض , تخرج عشرات التقارير والأبحاث تتناول الحرب على العراق , ودور أجهزة الإستخبارات وحقيقة المعلومات بشأن أسلحة الدمار الشامل لدى بغداد , حيث كانت الذريعة لعملية الغزو والإقتحام ولحشد التأييد الدولي . وقد تم إقناع الرأي العام في الدول المشاركة في العمليات العسكرية , بأن إسقاط النظام العراقي ضرورة مهمة للغاية لحماية الأمن القومي لتلك البلاد .
كان رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير , قبل تحريك القوات العسكرية نحو العراق , إستخدم الخطاب الوطني , وتحذير البرلمان بأن عدم مساندته , تعني المغامرة بسلامة البريطانيين وأمنهم , حيث تستطيع صواريخ صدام حسين العابرة للقارات , الإضرار بالمصالح القومية وإيذاء لجنود لندن المتمركزين في قواعد بقبرص .
ولم يندفع < البرلمان > العريق لبحث ملفات تؤكد إدعاءات بوجود أسلحة دمار شامل لدى العراق , الذي نفى ذلك تماماً .
وتنشر بعض التقارير الآن , معلومات عن أن وزير الخارجية العراقي آنذاك ناجي صبري , أعطى معلومات لإستخبارات أمريكية بشأن وجود أسلحة للدمار الشامل , غير أن الأجهزة البريطانية شككت في تلك البيانات ونصحت الولايات المتحدة بعدم الإعتماد عليها , إذ أنها هشة ولا تقوم على قاعدة بيانات موثقة في هذا الشأن .
والغريب والمثير للدهشة أيضاً , أن الإستخبارات البريطانية لم ترسل هذه القناعات إلى حكومة توني بلير , التي كانت تتصرف بإعتبارها تملك أدلة دامغة لتبرير الغزو وضرورة تحرك القوات , لإنقاذ الحضارة الغربية كلها والسُكان المسالمين في لندن وغيرها من مدن غربية نتيجة خطر أسلحة دمار شامل .
اعتمد < بلير > ورفاق معسكر الحرب على معلومات تم تجميعها من عدة مصادر غير موثوقة , واعتبروا هذا < الدوسيه > يعطي المبرر لتحريك قوات الغزو لإسقاط النظام وتدمير الأسلحة الخطيرة وإنقاذ العالم من محنة أخرى , مثل الأخرى التي مرّ بها خلال حكم النازي الهتلري لبرلين .
والحقيقة االتي لا تحتاج لدليل , أن الإدارة الأمريكية التي قفزت إلى الحكم وللبيت الأبيض , جاءت بنية صريحة مبيتة لغزو العراق , والتحكم في منابع النفط ونشر قوات في الشرق الأوسط تضبط حركته وتسيطر عليه لصالح التوسع الإسرائيلي والنفوذ الغربي بشكل عام .
وذكرت الوزيرة البريطانية المستقيلة كلير شورت , أن بلير وبوش اتفقا قبل عام كامل من تحريك القوات على الغزو , وتم تلفيق ملف أسلحة الدمار الشامل وجعله الغطاء المناسب لهذه العمليات تجاه العراق وإقناع الرأي العام والحياة السياسية في لندن وواشنطن .
وقد تفجرت أزمة في لندن راح ضحيتها ديفيد كيلي الخبير بأسلحة الدمار الشامل بوزارة الدفاع البريطانية و عندما سرب معلومات للصحافة بشأن انكار وجود هذا السلاح لدى العراق وفند ذرائع الحكومة في شن الحرب , مما أدى إلى طرح محاكمته لخيانة الثقة كموظف عام , مما دفعه إلى الإنتحار .
ملف < كيلي > يكشف الوثائق السرية والدامية لعمليات تواطؤ لتبرير قرار سياسي واضح تم اتخاذه لأسباب سياسية كاملة مع صعود الإدارة الأمريكية وردود فعلها القوية على تفجيرات واشنطن ونيويورك في عام 2001 . لقد أصبحت لدى إدارة جورج بوش الرئيس الأمريكي , الثقة الكاملة في قدرته العسكرية و بعد الإطاحة بنظام الملا عمر في قندهار بأفغانستان , وتحرك بالمنهج نفسه نحو العراق , الحلم القديم لجماعة دونالد رامسفيلد وزير الدفاع آنذاك , مع نائب الرئيس ديك تشيني ومجموعة الشركات الإحتكارية القابضة على زمام شؤون النفط والطاقة .
لقد تصرف صدام حسين بحماقة شديدة في غزو الكويت , مما أضر تماماً بالأمن الخليجي وقضية إمدادات النفط إلى الغرب . كما أن النظام العراقي أقدم على خطوة مجنونة بمحاولة إحراق آبار النفط الكويتية قبل إنسحابه من هناك .وعبّرت مغامرات النظام في بغداد عن تهور ومراهقة وغباء , وهو الذي كان يجلس على بحيرة ضخمة من النفط لا يمكن التفريط فيها بسهولة وتركها في يد مغامر لا ينظر أبعد من قدميه .
كما أن النظام في بغداد , كان يتصرف تجاه المقاومة الفلسطينية بما يغضب إسرائيل , بالإضافة إلى الوضع الداخلي العراقي وإحتجاج الأكراد ومعاناة الجانب الشيعي , وتخلخل السلطة في بغداد وضعفها . وقد تصور الأمريكيون مع البريطانيين , أن بغداد جاهزة لنصر سريع , يحقق إندفاعة قوية نحو تشكيل الشرق الأوسط الجديد , وهو مشروع شيمون بريز الرئيس الإسرائيلي الحالي .
كان أمر غزو العراق على الطاولة الأمريكية وصدق عليه توني بلير رئيس الوزراء البريطاني , التي كانت تحركه دوافع دينية , أفصحت عن نفسها بعد ذلك في إعتناقه الكاثوليكية . كما أن أفكاره عن حرب كونية ممتدة مع تفسير معين للإسلام , كان وراء إندفاعه نحو تأييد اليمين الأمريكي بهذه الحماسة والقوة .
وقد تم ترتيب الأمر في واشنطن بين جورج بوش وتوني بلير , وكان على الأخير بالذات قيادة الحملة الإعلامية ودق طبول الوطنية البريطانية ودفع البرلمان البريطاني في ويستمنستر للتصديق على الحرب بأنها دفاع عن الوطن الذي يواجه خطر أسلحة صدام حسين . وإرتدى رئيس الوزراء قبّعة ونستون تشرشل , الذي دق طبول التصادم مع النازية خلال الحرب العالمية الثانية وبشّر بالإنتصار عليها .
أجواء مرحلة ما قبل الحرب , تشهد على قوة الإعلام في تعبئة الرأي العام , حتى ولو كان متقدماً ومتعلماً مثل البريطاني . لقد خضع < البرلمان > كله لخطاب عاطفي ديني لتوني بلير , ولم يعترض سوى أسماء قليلة مثل النائب جورج غالاواي وبعض أعضاء الحزب الليبرالي الديمقراطي . ووقف فقط وزير في حكومة العمال , هو روبن كوك ليستقيل , لأنه كما قال دخل هذا الحزب بسبب موقفه المعادي للغزو العسكري وإستخدام القوة المسلحة لحل مشاكل دولية . وكان < كوك > يكاد أن يبكي وهو يتخلى عن حزبه الذي كان يستعد لدخول الحرب . وقف < بلير > عنيداً لا يتحرك بعاطفة ما , ومُصراً للزحف إلى < البصرة > مع القوات الأمريكية التي تقدمت نحو < بغداد > .
وقد حاول مليون متظاهر في لندن وقف آلة الحرب عن الدوران , لكن الإحتجاج فشل , لان القوات تحركت بالفعل نحو ميدان المعركة , قبل أن يوافق البرلمان على خطة الغزو والأخرى بشأن إسقاط النظام في بغداد .
إن الحكومات أقوى من الشعوب والحرب على العراق تثبت هذه المقولة . لقد ظهر ضعف < البرلمان > البريطاني , وهو المؤسسة الديمقراطية العريقة , إذ اندفع الجميع نحو إثبات الوطنية , والنتيجة هذا الغزو وسقوط هذا العدد الضخم من الضحايا وتحقيق الدمار بتلك الطريقة الفاجعة .
ولم تكن القضية , أن إستخبارات نجحت أو أخفقت , وإنما الملف كله يؤكد على قرار لدول قوية بفرض هيمنتها على منطقة غنية بالنفط وعدم تركها خارج السرب , مما يشكل تهديدات حقيقية لا يمكن تركها بلا ضابط .