داود البصري من أوسلو: لعل إنقلاب يوم السادس عشر من آب /أغسطس عام 1972 في المغرب يعتبر واحدا من أغرب و أخطر محاولات الإنقلاب العسكرية في ذلك البلد العربي القصي و أشدها غموضا خصوصا من جهة الأطراف التي تعاونت لتحقيق و إنجاز ذلك المشروع الإنقلابي الخطير الذي لو قدر له النجاح لقلب ألأوضاع رأسا على عقب في عموم المنطقة المغاربية ولإدخال البلد في دوامة من الأزمات و الكوارث التي كانت ستجعل من المغرب ساحة خراب واسعة شبيهة ببعض مناطق المشرق العربي و خصوصا العراق.
فذلك الإنقلاب اللغز قد نسجت خيوطه بعد سويعات قليلة من فشل محاولة إنقلاب قصر الصخيرات المتوحشة في العاشر من يوليو / تموز 1971 و حيث أن هنالك روابط معينة بين الأطراف العسكرية التي قامت بذلك الإنقلاب و الأطراف الأخرى العسكرية و السياسية التي كانت تخطط بشكل واضح لا لبس فيه و لا غموض لتكرار المحاولة و إنهاء النظام الملكي و حكم الحسن الثاني بطريقة إنقلابية ومن قبل أطراف فاعلة داخل المؤسسة الملكية نفسها و على رأسها رجل النظام القوي ووزير الدفاع الجنرال محمد أوفقير الذي قمع قادة إنقلاب الصخيرات بسرعة قياسية و متناهية عبر عمليات إعدام سريعة للعديد من الجنرالات و العقداء و على رأسهم الجنرالات الخياري و حمو أمحزون و الكولونيل الشلواطي و غيرهم مما أفقد المؤسسة العسكرية المغربية تسعة جنرالات من أصل 15 كانوا هم القيادة العليا للجيش المغربي وقتذاك .
وفي تلك اللحظات قرر أوفقير التحرك بشكل مختلف من خلال سطوته على المؤسسة العسكرية و إستغلاله للثقة الملكية المطلقة و قرر التوجه صوب السلاح الجوي عبر إستغلال قياداته الساخطة و توجيهها لتحقيق إنقلاب عسكري سريع عن طريق سلاح الجو يضمن نهاية الملكية و قيام الجمهورية بعد دخول المعارضة المغربية المسلحة على الخط ممثلة بالإتحاد الوطني للقوات الشعبية ( حزب المهدي بن بركة ) و عن طريق قياداته في الخارج من أمثال المرحوم الفقيه البصري و عبد الرحمن اليوسفي و محمد اليازغي و عبد الرحيم بوعبيد ، و كان قرار التحالف مع القيادات العسكرية المشبوهة و المكروهة من الحركة الوطنية المغربية من أمثال الجنرال أوفقير مسألة تكتيكية لا غنى عنها أسوة بما حصل في إنقلابات مشابهة في المشرق و خصوصا في الحالة العراقية ، و أوفقير من جانبه تحرك على قادة سلاح الجو و أبرزهم المقدم الساخط و صاحب التوجهات الدينية ( محمد أمقران ) و الرائد ( كويرة ) قائد قاعدة القنيطرة الجوية من أجل تحقيق الهدف بأضمن وسيلة عبر إسقاط طائرة المرحوم الملك الحسن الثاني وهي في الجو خلال رحلة العودة من زيارة خاصة لفرنسا و قد قيل أن الهدف لم يكن إسقاط الطائرة الملكية بل إجبارها على الهبوط في مطار القنيطرة العسكري و إعتقال و أسر الحسن الثاني و نفيه لفرنسا و إعلان الجمهورية الإشتراكية لتبدأ بعدها مرحلة التصفيات بين قادة الإنقلاب المختلفين و المتباينين في كل شيء إلا للعداء للحسن الثاني ،!! و فعلا تم المخطط بالطريقة المتفق عليها و جاء عصر يوم 16 أغسطس / آب 1972 .
وحيث تصدت ستة طائرات عسكرية مقاتلة لطائرة الملك الحسن الثاني في سماء مدينة تطوان و أطلقت عليها مجموعة من الصواريخ و أسلحة الرشاشات و دمر خلالها و أعطب محركين من أصل محركاتها الثلاث و فشلت محاولة إقتحام إنتحارية من الطيار كويرة للإصطدام بطريقة الكاميكاز اليابانية بالطائرة ليستطيع قائد الطائرة الملكية الهبوط بطريقة صعبة للغاية و بوضع أشبه بالمعجزة في مطار الرباط / سلا لينجو الملك و أسرته من موت محقق و حيث عاودت الطائرات قصف المطار و القصر الملكي أيضا و نجا الملك بأعجوبة غريبة و ليهرب المتآمرون بعد أن فشلت خطتهم و توارى وزير الدفاع أوفقير عن الأنظار قبل أن يذهب منتصف تلك الليلة لمقابلة الملك في قصر الصخيرات الشهير ليموت قتلا ، حيث قال القصر إنه إنتحر وفاءا للعرش بينما أشارت أنباء أخرى إلى أنه قد قتل برصاص معاونه الكولونيل أحمد الدليمي و ومدير التشريفات الملكية الجنرال عبد الحفيظ العلوي ، و هي الرواية الأرجح إحتمالا فيما ألقي القبض على الطيارين أمقران و كويرة و حميد بو خالف و زياد و أكثر من 224 من المراتب العسكرية في القواعد الجوية ليقدموا لمحكمة عسكرية حكمت بالإعدام على الطيارين و نفذ الحكم في أوائل عام 1973 و لتبدا في المغرب مرحلة أمنية صعبة و حساسة عرفت بمرحلة سنوات الرصاص حيث شيدت السجون المرعبة الخاصة من أمثال السجن الشهير ( تازمامرت ) الذي لم يهدم و تطوى ملفاته إلا عام 1991 ، تلك المحاولة الإنقلابية كانت الأخطر و ألأفدح في تاريخ المغرب المعاصر و قد قيل أيضا بأن المخابرات الأميركية كانت في صورة التخطيط لها و العلم بها و هو ما يفسر قيام الحكومة الأميركية بسحب و تغيير السفير الأميركي روكويل بعد يومين من فشل الإنقلاب و تحطم المحاولة...؟ كل الإحتمالات ممكنة في ضوء الخبرة الأميركية في تدبير الإنقلابات في الشرق الأوسط!!.
dawoodalbasri@hotmail.com