|
يسري حسين من لندن: تهيمن على العلاقات المصرية الإيرانية علامات في طريق الوفاق والمصاهرة , ثم الطلاق الكامل والإشتباك في معارك كلامية وحملات بشأن وضع الخليج , وهل هو فارسي , أم عربي ؟ كما يشدد خطاب الستينيات المصري بأفقه العروبي بشأن قضية التحرر والإشتباك الحاد مع أنظمة مرتبطة بمحاور غربية , مثلما كان وضع شاه إيران محمد رضا بهلوي .
وقد إرتبطت الملكية المصرية في عهد فاروق بعلاقات مصاهرة مع العرش الشاهنشاه , نتيجة زواج الأميرة فوزية شقيقته من رأس العائلة الحاكمة في طهران . وكان الزواج يترجم التراث الملكي الذي إستمر في أوروبا من التزاوج والإرتباط مع عائلات تمثل العروش .
كان يأمل الملك فاروق من هذا الزواج تعضيض عرشه ونفوذ حكمه في المنطقة , غير أن التجربة لم تنجح وعادت الأميرة فوزية باكية إلى الأراضي المصرية , غير أن ذلك لم يدفع نحو خصام ولا قطيعة , التي حدثت في عهد النظام الناصري بإندفاع صاخب لمعاداة الحركة الثورية الجديدة في القاهرة , لنظام العرش الإيراني وتحالفته الغربية والأمريكية ودعمه الواضح لمشروع < حلف بغداد > ومحاولته مد النفوذ إلى منطقة الخليج لملأ الفراغ الناجم عن إنسحاب القوات البريطانية من هناك .
وقد دخلت مصر هذا الزمان , في معارك قاسية وشديدة مع النفوذ الشاهنشاه لوقف تمدده في منطقة الخليج خصوصاً بعلاقات طهران القوية مع إسرائيل ووجود سفارة لها في طهران .
وبإنحسار العهد الناصري وصعود الآخر الساداتي , حاول الرئيس المصري الجديد آنذاك , مد ذراع الصداقة لأعداء الأمس , بعد خروجه من محور راديكالي وعلاقات قوية مع الإتحاد السوفياتي السابق . وكان هم الرئيس أنور السادات تجاوز حقبة المواجهات مع دول أُطلق عليها صفة الإعتدال وقد فتحت السياسة الناصرية أبوابها لعلاقات أوثق مع عرش الشاه محمد رضا بهلوي. وهناك أدبيات مصرية وقصيدة للشاعر أحمد فؤاد نجم تسجل هذه العلاقة الحميمة جداً .
كان السادات يقترب من الولايات المتحدة بعد وقفته الشهيرة مع الصديق السوفياتي , وطرد خبراء روسيا من الجيش المصري . وبعد حرب أكتوبر - تشرين عام 1973 , إندفع الرئيس المصري في إتجاه علاقات وثيقة مع إيران وغيرها لتأسيس نظامه الجديد , الذي فك إرتباطه بالكامل مع الحقبة الناصرية وثوابتها الداخلية والخارجية .
أعطى الإنتصار العسكري أرضية للسادات للقفز على كافة الخطوط الحمراء السابقة , إذ زار إسرائيل ودعا للسلام والوفاق معها . وكان قد إستقبل < الشاه > الذي خرج مطروداً من بلاده عقب نجاح الثورة الإسلامية . وهذه الخطوة عقدّت العلاقات الإيرانية المصرية التي إنقطعت نتيجة لجملة عوامل , منها زيارة الرئيس المصري للقدس , وتصعيد لهجة خطاب الثورة الإسلامية في طهران , خلال مرحلة تصديرها لتجربتها نحو الخارج .
وقد بدأ العالم العربي الذي إهتز نتيجة تغيير السلطة في إيران , يواجه الخطاب الثوري الجديد لطهران بالحذر ومحاولة إمتصاص ردود فعله , خصوصاً ون حركات إسلامية محلية بدأت تتأثر بالموجة الإيرانية وتنحاز إليها , وتتحدث عن تكفير الحاكم والدعوة للإطاحة به , كما حدث في التجربة الخمينية بالضبط .
ودخلت المنطقة في مواجهة مع التيار الإيراني الجديد , وتحمل النظام البعثي في بغداد دور المواجهة العسكرية , التي إستمرت لثماني سنوات وبثمن باهظ للغاية . وكانت مصر مؤيدة للموقف العراقي وشجعت عليه عبر صفقات بيع أسلحة تمولها أنظمة ثرية في الخليج .
كان لإغتيال الرئيس السادات بيد جنود من داخل نظامه , هزة قوية هللّت لها إيران التي خصت خالد الإسلامبولي منفذ عملية الإغتيال بنعت البطولة وإعتباره من الشهداء , وتم وضع إسمه على شاعر بارز بالعاصمة طهران .
منذ قطع العلاقات بين البلدين في عام 1979 وهذا التوتر لا يزال مستمراً . وعلى الرغم من نداءات في الغرب نفسه لإحتواء إيران فإن القاهرة ظلت رافضة لعودة علاقات دبلوماسية بين البلدين , على الرغم من وجود فترات هادئة تبشر بالحراك نحو هذه الخطوة , غير أن الأمور تنتكس بسرعة شديدة ويعود الخطاب الحاد والهجوم وتبادل الإتهامات .
ترى الحكومة المصرية أن الموقف من إغتيال السادات وردود الفعل الإيرانية , لابد أن يتغير بإزالة إسم خالد الإسلامبولي من على شارع بالعاصمة الإيرانية . وتُعد هذه القضية محل خلافات تمنع عودة المياه إلى علاقات , لا نقول دافئة , بل طبيعية وعادية بين البلدين , خصوصاً وأن دول الخليج الأقرب إلى طهران ولا تتفق مع سياساتها المعلنة , لديها علاقات طبيعية معها بالإضافة إلى تبادل تجاري وإقتصادي . ودولة الإمارات المشتبكة مع إيران بسبب مشكلة الجزر الثلاث , تتبادل السلع والزيارات وهناك جالية إيرانية كبيرة داخلها , مع تشجيع التجارة والعلاقات الإقتصادية القوية بين البلدين .
وتشكو دول الخليج من تداعيات البرنامج النووي الإيراني , لكنها في الوقت نفسه دعت الرئيس محمود أحمدي نجاد , لحضور قمة دول مجلس التعاون الخليجي نهاية العام الماضي , كما أن الرئيس الإيراني زار عدة دول خليجية , وذهب إلى العراق نفسه , وهذا يؤكد نضج العلاقات بين طهران وتلك الدول مع وجود خلافات يمكن تناولها عبر الحوار وليس الخصام الدبلوماسي . وقد تحركت الولايات المتحدة نفسها خلال الآونة الأخيرة لتعبر عن رغبتها لفتح مكتب لرعاية المصالح في العاصمة طهران , لأهمية وجود بعثة دبلوماسية أمريكية للحوار مع إيران , على الرغم من الخلافات الحادة وإرتفاع وتيرة المواجهة والتهديد بإستخدام الحرب لحسم القضايا العالقة .
وقد ظهرت خلال بداية هذا العام مؤشرات على تحسن العلاقات المصرية الإيرانية , وتوقع البعض عودتها إلى مجرى الإستئناف والتواصل مع إستقبال الرئيس المصري حسني مبارك لشخصية بارزة في مجلس الشورى الإيراني هو < علي غلام > . وترافق ذلك مع تصريحات للرئيس الإيراني ترحب بإستئناف العلاقات , وأن إيران مستعدة على الفور لإرسال سفير إلى القاهرة .
وقد أرسلت وزارة الخارجية المصرية وفداً إلى إيران , لبحث عودة العلاقات , غير أن تطبيعها لم يتم في ظل أجواء مشحونة وتهديدات إسرائيلية بقصف المنشآت النووية الإيرانية وتصعيد الخطاب الأمريكي وإرسال حاملات طائرات إلى الخليج , وتهديد إيران بقدرتها على غلق مضيق هرمز , وإحراق تل أبيب , إذا تعرضت لهجوم أمريكي أو إسرائيلي .
في ظل هذه الأجواء المتوتر , تفجرت مشكلة مصرية إيرانية جديدة بفعل معركة إندلعت حول الرئيس السادات مع ظهور فيلم وثائقي إيراني بعنوان < إعدام الفرعون > الذي يتهم الرئيس المصري السابق بالخيانة لإقامته علاقات مع إسرائيل , وقيام جنوده بإغتياله في مشهد دموي بمدينة نصر القاهرية عقاباً على هذه الخطوة .
ترفض مصر هذا الموقف الإيراني , وتجري عملية تصعيد هدفها شحن الشاعر المصري , بإعتبار أن إيران تعتدي على رئيس راحل وسمعته الوطنية وتحاول تلطيخها وتمجيد الأفراد الذين قاموا بفعل الإغتيال المنبوذ .
والرئيس السادات صاحب سياسة الصدمات الكهربائية , و قفزاته المفاجئة من ضفة لأخرى , أثار الجدال ولا يزال حول مضمون سياساته , غير أن الحكومة الحالية تدين له بالولاء وتُعد الإمتداد لنظامه , لذلك تعتبر الدفاع عنه مهمة جليلة للغاية مع تحريض الرأي العام , حيث بدأت حملة صاخبة تثير الغبار وتعقد علاقات , تصور البعض أنها يمكن أن تعود إلى وضعها الطبيعي .
ويبدو من المنطقي خلاف القاهرة مع طهران في ظل التوتر الحالي وإستخدام لغة الحرب والتلويح بها . وعلى الرغم من وجود إعتراض مصري على سياسة إيران في لبنان وفلسطين والعراق , فإن القضية المرتبطة بفيلم السادات , تعكس حجم الإختلاف والتناقض والإعتراض أيضاً , لذلك العلاقات المضطربة منذ عام 1979 , مرشحة للمزيد من التوتر , الذي يتواكب مع حالة إستنفار في داخل المحور الإسرائيلي الأمريكي ضد إيران وتلويح بإستخدام القوة , بينما الأخيرة تطرح لغة التصادم المدمر إذا إقتربت الطائرات الإسرائيلية أو الصواريخ الأمريكية من منشآتها النووية .
لكن المعركة المشتعلة في القاهرة يبدو من خطابها الحاد , تحريض الرأي العام على إيران والتأكيد على أنها في قلب محور الشر , خصوصاً بتضخيم الموقف من تاريخ السادات , وهو الذي لم يشهد إجماع المصريين عليه , فقد إعتقل قبل رحيله الدامي أكثر من 1500 معارض مصري . ويسجل الكاتب محمد حسنين هيكل تفاصيل الإحتجاج على سياسة السادات خلال صفحات كتابه المثير < خريف الغضب > .
وعموماً العلاقات المصرية الإيرانية تعيش هذه الأيام صفحة جديدة من التوتر , وهي كانت كذلك في عهد الرئيس عبد الناصر وحكم الشاه , ثم إنتقلت إلى المصالحة والتوافق خلال عهد السادات , ثم إنقلبت الأوضاع مرة أخرى بإنفجار الثورة الإسلامية في طهران ولا يزال التعثر هو العنوان المستمر لعلاقات وصلت في وقت ما خلال العهد الملكي إلى مصاهرة وتدهورت حتى إنقطعت العلاقات وإشتعلت لغة الخطاب الحاد والهجوم المتواصل على طرفي المعادلة الإيرانية المصرية .
|
|