لم يشهد الكيان الصهيوني منذ قيامه على أرض فلسطين المحتلة عام 1948 هزيمة نكراء من قبل كتلك التي مازال يتجرع ذكراها الأليمة في مثل هذه الأيام الخوالد، فقد مضى عامين على ذلك الإعجاز التاريخي والنصر الإلهي الذي صنعته المقاومة الإسلامية في لبنان، من خلال بطولاتها الميدانية وصمودها الأسطوري تجاه أكبر قوة عسكرية في المنطقة، بعد العدوان الإسرائيلي الوحشي على أراضيها في صيف العام 2006، ذلك العدوان السافر الذي شكل انعطافه تاريخية في الصراع العربي - الإسرائيلي، عندما استطاعت المقاومة الإسلامية في لبنان تمريغ أنف العدو الصهيوني في التراب، وكسر شوكته، وإذلاله إذلالاً لا مثيل له في تاريخ هذا الصراع الطويل.
في مثل هذه الأيام الخوالد، التي نستحضر معها ذكرى ذلك العدوان الآثم، نستذكر في هذه المناسبة تلك الملاحم البطولية الخالدة التي شهدتها المدن اللبنانية، حيث لا تزال صور وحكايات المعارك البطولية التي دارت رحاها حاضرة في أذهاننا، ابتداء من «مرجعيون»، مروراً ببطولات «مارون الراس»، وأسطورة «بنت جبيل»، وإعجاز «مروحين»، و«عيترون»، و«عيتا الشعب»، وغيرها من المدن اللبنانية التي لقنت العدو الإسرائيلي درساً تاريخياً لن ينساه أبداً!
وبعد عامين على ذلك الانتصار التاريخي، لا يزال الكيان الصهيوني مثخناً بالهزائم والجراح حتى يومنا هذا! فعلى صعيد رموزه السياسيين والعسكريين، نجد أن الكثير من الأسماء اللامعة التي لعبت دوراً رئيسياً في العدوان على لبنان قد خلدتها «مزابل» التاريخ! فأين هو وزير الدفاع عمير بيرتس، وأين هو رئيس الأركان دان حالوتس، ونائبه موشيه كابلنسكي، وأين قائد الجبهة الشمالية أودي آدم، والجنرال غال هيرش؟
المشهد الإسرائيلي المثخن بالجراح، بعد عامين من حرب تموز 2006، لم يقتصر فقط على فقدان رموزه من الساسة والعسكر، بل امتد ليصل إلى ركن أساسي من أركان الدولة العبرية والمتعلق بقوة الردع الإسرائيلية، والذي أحدث هزة عنيفة في أوساط المجتمع الإسرائيلي بعد أن ضربت نتائج تلك الحرب نظرية الأمن التي تمثل الأساس شبه الوحيد للكيان الصهيوني!
الكاتب الإسرائيلي يوئيل ماركوس «هآرتس» قال ان: «الدولة التي وقفت قبالة سبع دول عربية في حرب التحرير، وصاحبة الجيش الذي نجح خلال ستة أيام في دحر ثلاث دول عربية، وقفت في وضع مربك معاكس لماضيها التليد»! ثم يتساءل ماركوس: «من كان يصدق أن تنظيم عصابات من بضع مئات من المقاتلين النظاميين سينجحون في شل نصف دولة، من كان يصدق أن مدناً مثل صفد، وعكا، ونهاريا، وطبريا، والناصرة، وخصوصاً حيفا عاصمة الشمال ستنهض كل صباح على صافرات الإنذار وعمليات القصف الفتاكة؟» أما رؤوبين بدهتسور «هـآرتس» فأشار إلى: «أننا تلقينا ضربة قاضية، فنحن لسنا أمام فشل عسكري فقط، هذا فشل استراتيجي لم تتضح تبعاته وإسقاطاته السلبية بعيدة المدى. إن فشل الجيش الإسرائيلي في القتال يقضم ثروتنا الأهم بالنسبة للأمن القومي»!
حاييم شاين «معاريف» ذكر من جانبه أن: «الفشل في حرب لبنان الثانية ستُذكر إلى الأبد بوصفها نقطة الانعطاف في المكانة السياسية والعسكرية لدولة إسرائيل في الشرق الأوسط، بعد أن ظهرت إسرائيل في حرب لبنان نمراً من ورق، ودعامة متهاوية أمام بضع مئات من القتلى من «حزب الله» هزموا بالعار جيشاً هو الأكثر تجهيزاً بالوسائل القتالية»! من جهته، قال الأديب الإسرائيلي دافيد غروسمان، الذي قتل ابنه خلال العدوان على لبنان، ان: «الإسرائيليين لن يجرؤوا بعد على الوقوف بعيون مفتوحة قبالة المدلولات المذهلة والعميقة لتلك الحرب»! وأضاف غروسمان أن: «حرب لبنان الثانية أظهرت ذلك، وأبانت كيف نضبت موارد القوة التي أطلقت إسرائيل للوجود قبل ستة عقود»! كارل مور «هـآرتس» أشار من جانبه إلى الضعف الذي تسببت فيه حكومة اولمرت والذي أصاب القوة الاستراتيجية الإسرائيلية بشكل مباشر، بقوله ان: «حكومة اولمرت، التي أظهرت ضعف إسرائيل في مجالات مختلفة، أضعفت بذلك ترسانة قوتها الاستراتيجية بدرجة كبيرة، هذه القوة التي عملت أجيال من الجنود والسياسيين الإسرائيليين على بنائها بثمن باهظ، تطلب الأمر منا أعواماً حتى نبني لأنفسنا قوة ردعية راسخة، ولكننا احتجنا فترة قصيرة حتى نهدمها»!
الهزة العنيفة التي أصابت المجتمع الإسرائيلي بعد سقوط نظرية الردع الإسرائيلية، ولدت في نفوس الإسرائيليين مقدارا كبيراً من الخوف على مستقبلهم، وهو ما أدى إلى مغادرة مئات الآلاف من إسرائيل إلى الخارج بعد «عدوان تموز» كما أشار إلى ذلك ايتان هابر مدير مكتب رابين سابقا بقوله ان: «مئات الآلاف من أبناء إسرائيل استصدروا أخيراً جوازات سفر أجنبية، نعم مئات الآلاف فعلوا ذلك لأنهم يريدون السفر إلى الخارج، بسلاسة، للعمل أو التعلم بالمجان»! ثم يردف بالقول: «هناك أيضاً، في أعماق الداخل الإسرائيلي، يعتمل في قلوبهم الخوف من قدرة دولة إسرائيل على البقاء فيعدون لأنفسهم شهادات فرار من إسرائيل»!
اليوم، وبعد مرور عامين على الانتصار التاريخي، لم يعد المشهد الإسرائيلي المثخن بالهزائم والجراح مقتصراً فقط على اختفاء رموزه من الساسة والعسكر، ولا عند تهاوي منظومة الردع الإسرائيلية، ولا عند الاختلال الذي أصاب المجتمع الإسرائيلي، بل تعداه إلى جوانب ومدلولات أخرى أهمها موضوع الأسرى و«القرار 1701»!
مازلنا نتذكر جيداً كيف تباهت إسرائيل أمام العالم أجمع، في أغسطس 2006، بأنها استطاعت تحقيق انجاز ديبلوماسي كبير من خلال استصدار «القرار الدولي 1701» إلى حد وصفه داخل إسرائيل بأنه الانجاز الوحيد الذي استطاعت إسرائيل تحقيقه في حربها على لبنان، وأن ما عجزت عن تحقيقه عسكرياً، استطاعت تحقيقه ديبلوماسياً! لكن السؤال المهم: كيف هو مشهد «القرار 1701» بعد عامين على العدوان الإسرائيلي على لبنان؟
وزير الدفاع الإسرائيلي أيهود باراك، حمل بشده قبل أيام على «القرار 1701» واعتبره فاشلاً! وقال في اجتماع لكتلة «العمل» في الكنيست، وفي مناسبة الذكرى الثانية لحرب لبنان الثانية: «يجدر بنا أن نقول بشكل واضح ان «القرار 1701» لم يعمل، ولا يعمل، ولا يبدو أنه سيعمل، وهو فاشل»! «السفير اللبنانية»
يسرائيل هارئيل «هـآرتس» استحضر في مقاله المعنون بـ «وتبدد انجازنا الوحيد في حرب لبنان» ما قالته وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني حول «القرار 1701» بأنه: «ربما لم نحقق انجازات مهمة في أرض المعركة إلا أن «القرار 1701» هو انجاز إسرائيلي مهم في المعركة الديبلوماسية»! ثم يمضي هارئيل بالقول ان المغزى الأساسي وراء «القرار 1701» تحجيم القدرة العسكرية لـ «حزب الله»، إلا أنه يؤكد أن: «حتى هذا الانجاز تبدد بعد تضاعف القدرة الصاروخية لـ «حزب الله» ويشير هرئيل إلى أن الأمر لم يقتصر فقط عند تضاعف القدرة العسكرية لـ «حزب الله» بل ان: «مدى الصواريخ بعد انجاز «القرار 1701» الديبلوماسي قد ازداد ليصل إلى كل الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية بعد أن اقتصر على وسط البلاد سابقاً»! أما اربيلا رينغل هوفمان، المحلل السياسي في صحيفة «يديعوت أحرنوت» فقال انه في الأسبوع الماضي: «قد تبين أن كل التعابير المتبجحة لاولمرت بعد «القرار 1701» وبعد خطابه الطويل المفعم بالكليشهات بأن إسرائيل لن توافق على العيش في ظل تهديد صواريخ «حزب الله»، وأن إسرائيل لن تكون رهينة، كل هذا لم يبق منه شيء بعد عامين من حرب لبنان»! والسبب في ذلك بحسب هوفمان: «أن ايهود اولمرت قد تلقى قبل أيام تقريراً مفصلاً عن تعاظم قوة «حزب الله» إلى ثلاثة أضعاف عما كانت عليه عشية الحرب الثانية على لبنان»! ثم يعلق قائلاً: «باختصار، عدنا لأن نعيش في ظل الصواريخ، عدنا لنكون رهائن لـ «حزب الله»!
كان هذا على صعيد «القرار 1701» أو الانجاز الإسرائيلي الوحيد في حرب لبنان الثانية، وكما تبين فأنه حتى هذا الانجاز الوحيد قد فشل بعد مرور عامين على الحرب، وهذا باعتراف الإسرائيليين أنفسهم! أما فيما يتعلق بقضية الأسرى أو «عملية الرضوان» التي جرت قبل يومين، والتي شكلت انتصاراً جديداً يضاف إلى رصيد الانتصار التاريخي الذي حققته المقاومة الإسلامية في لبنان، فسنتطرق إليه في الأسبوع المقبل.
كاتب كويتي