نادرا ما شهدت العاصمة الفرنسية حدثاً استثنائياً يشبه الحدث الذي شهدته في 13 تموز (يوليو) الجاري، عندما أطلق 43 رئيس دولة وحكومة «الاتحاد من أجل المتوسط»، في «الغران باليه» (القصر الكبير) الفخم، وحضروا في اليوم التالي العرض العسكري الذي جرى في جادة الشانزيلزيه، وهي أجمل ساحة عرض على الإطلاق في أوروبا، وذلك احتفالاً بذكرى سقوط الباستيل.
أظهر هذان الحدثان، اللذان شارك فيهما حوالي عشرة آلاف من افراد الجيش ورجال الشرطة وعناصر القوات الخاصة من فرق الرماية، إدارة ممتازة للعرض وتبجّحاً قومياً كبيراً. وقد شكلا دافعاً معنوياً للفرنسيين وانتصاراً للديبلوماسية الشخصية للرئيس نيكولا ساركوزي. ولا شك أن كثيرين من قادة الدول الموجودين في الحفل حسدوه على قدرته على تقديم عرض مماثل من حيث القوة والانضباط.
انتهى العرض العسكري بطريقة مذهلة، إذ حطّ ستة مظليين أمام المنصة الرئيسية حيث جلس قادة الدول، ورفعوا كلاً من علم فرنسا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
فما أهمية هذه الرموز؟
لا شكّ أن ساركوزي يريد اطلاق نفس جديد في عملية برشلونة التي باتت تحتضر بعد إطلاقها في العام 1995، من خلال توثيق الروابط بين الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والدول الواقعة على البحر الأبيض المتوسط. أما السمة المبتكرة في هذا الاتحاد فهي الرئاسة المشتركة بين فرنسا ومصر الهادفة إلى تسليط الضوء على تقاسم ملكية الاتحاد بين الشمال والجنوب.
ويبدو أن ساركوزي يؤمن بأن المشاريع الملموسة على غرار تنظيف البحر الأبيض المتوسط الملوث واستخدام الطاقة الشمسية وإدارة الموارد المائية وإنشاء خطوط بحرية كبرى لنقل البضائع بغية التخفيف من ازدحام الطرق وتعزيز فرص التعليم أمام الشباب، من شأنها ان تعود بالفائدة من حيث تحسين انماط الحكم في دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط وزيادة حجم تدفقات الاستثمار وقيام فرص أكبر للقطاع الخاص.
ويؤمل أن تؤدي هذه الإنجازات إلى احترام أكبر لحقوق الإنسان وللتقدم نحو الديموقراطية وحتى نحو تحقيق السلام. وأعلن ساركوزي في 10 تموز (يوليو) ان الاتحاد من أجل المتوسط هو «الخبر السار المطلق بالنسبة إلى السلام في الشرق الأوسط».
لكن، على غرار عملية برشلونة، ثمة جدول أعمال أوروبي غير معلن، إذ تهدف هذه الشراكة إلى مراقبة دخول المهاجرين غير الشرعيين وغير المرغوب فيهم إلى أوروبا، فضلا عن العنف الإرهابي، الذي يبقى أحد أكبر مخاوف الحكومات الأوروبية.
أما العنصر الجديد الذي برز خلال اليومين الاستعراضيين، فهو الترحيب الذي لاقى به ساركوزي الرئيس السوري بشار الأسد، في دلالة على اعتراف فرنسا بدوره كلاعب أساسي في ساحة الشرق الأوسط، إذ يؤثر على طهران والفصائل الفلسطينية المتشددة وفي لبنان نفسه، حيث نجح حلفاؤه في الحصول على الثلث المعطل في الحكومة. هكذا، خرجت سورية من عزلتها السياسية.
تشكل خطوة ساركوزي هذه انقلاباً كاملاً على سياسة الرئيس السابق جاك شيراك، الذي قاطع سورية بعد اغتيال صديقه المقرب، رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في شهر شباط (فبراير) 2005.
من جهة أخرى، يعتبر التفاهم المستجد بين باريس ودمشق متبايناً بشكل لافت مع عدائية أميركا المستمرة تجاه سورية ومجموعة العقوبات التي فرضتها عليها. وخلال هذا الأسبوع، قامت وزارة الخزينة الأميركية بقرار من مساعد وزير الخزانة ستوارت ليفي، المحسوب على المحافظين الجدد، بمنع الأميركيين من التعامل مع أكبر شركة خاصة في سورية، هي شركة الاتصالات «سيرياتيل».
وفي تحدّ معلن للسياسة الأميركية، من المقرر ان يزور الرئيس ساركوزي سورية في شهر أيلول (سبتمبر)، وقد تعهد في بيان مشترك مع الرئيس بشار الأسد بأن يمارس الضغوط من أجل التوقيع على اتفاقية الشراكة بين سورية والاتحاد الأوروبي والمصادقة عليها. ومن المتوقع أن ترسل سورية سفيرا لها إلى باريس في الأسابيع المقبلة، علما بأنه لم يتم تعيين أي سفير منذ العام 2006.
ترأس الرئيس ساركوزي اجتماعاً بين الرئيس بشار الأسد والرئيس اللبناني الجديد ميشال سليمان، علماً أن البلدين يقتربان من تبادل السفراء للمرة الأولى في تاريخهما الحديث، وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. وقد أطلع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ساركوزي على المحادثات غير المباشرة التي تجري بين إسرائيل وسورية بوساطة تركية.
ويدل كلّ هذا النشاط على أن ساركوزي يسعى إلى إبعاد الولايات المتحدة عن عملية السلام في الشرق الأوسط، أقلّه خلال الأشهر المتبقية من عهد الرئيس بوش، كما أنه يحاول التقليل من أهمية دور إيران كـ «عراب» للنظام السوري و «حزب الله» في لبنان. ولم تقدم سورية بعد على أي خطوة تشير فيها إلى استعدادها لتقليص علاقاتها الاستراتيجية مع إيران و «حزب الله».
وتوصل بعض الديبلوماسيين إلى خلاصة مفادها أن فرنسا تحاول أن تجذب سورية ولبنان إلى دائرة تأثيرها، سيما أنها تربطها بهما روابط تاريخية.
وتبدو الديبلوماسية الفرنسية من ناحية أخرى في صدد تعزيز شراكتها مع قطر الفاعلة على الصعيد الديبلوماسي. فقد نجحت قطر بمباركة سورية، في دفع الأطراف اللبنانية المتخاصمة إلى التوصل إلى اتفاق في شهر أيار (مايو) الماضي في الدوحة، ما أدى إلى انتخاب قائد الجيش اللبناني ميشال سليمان رئيسا للجمهورية في 25 أيار (مايو). كما ان الرئيس اليمني علي عبدالله صالح دعا قطر لاستضافة محادثات مماثلة في الدوحة بين الفصيلين الفلسطينيين المتنازعين، «فتح» و «حماس». كما يأمل ساركوزي أن تقدم قطر دعما ماليا لبعض المشاريع الرئيسية في الاتحاد المتوسطي الجديد.
ومن بين السيدات الموجودات على المنصة يوم العرض العسكري، سرقت الأنظار كل من زوجة ساركوزي كارلا بروني التي ارتدت ثوبا رائعا بنفسجي اللون، وزوجة أمير قطر الشيخة موزة المسند، التي ارتدت ثوبا أنيقا لونه أخضر فاتح.
لا حاجة للتذكير بأن بعض اللاعبين الإقليميين الأساسيين الآخرين في المنطقة لا يرحب بالمحور الجديد بين باريس والدوحة ودمشق، وتراودهم شكوك حول ديبلوماسية سورية الإقليمية.
الآن وقد انتهى الحفل، يقوم المراقبون بإحصاء المكاسب. فقد حققت فرنسا التي ترأس الاتحاد الأوروبي حاليا لمدة ستة أشهر، انتصارا سياسيا وربما تجاريا. وباتت صورتها مشرقة للغاية.
أما في ما يتعلق بلبنان وسورية، فقد توصلا إلى اتفاق قبل اجتماع باريس، إذ ستعترف سورية بسيادة لبنان وسيتمثل ذلك في تبادل السفراء بين البلدين، في حال تم تقديم ضمانات إلى سورية بعدم تشكيل أي حكومة معادية لها في لبنان وهو هدف توصلت إليه من خلال وجود حلفائها في حكومة الوحدة الوطنية.
ومن غير المرجح أن تؤدي المحادثات الإسرائيلية - السورية إلى تقدم حقيقي قبل مجيء رجل جديد ونزيه إلى البيت الأبيض في السنة المقبلة. أما على صعيد المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية، فلم ينجح اجتماع باريس في دفعها نحو الأمام، على رغم مصافحة أولمرت وعباس. إن ضعف أولمرت السياسي والمعنوي يقوض احتمال تحقيق أي تقدم ملموس، تماماً كما السياسة الإسرائيلية المفككة، التي تسمح للفصائل المتشددة بأن تبتز الحكومة في حال قامت بخطوة تمهيدية نحو السلام.
وكما ذكر أكيفا إلدار في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، «يتوقف حديث أولمرت حول السلام عند مسافة بعيدة قبل أن يصل إلى نقاط تفتيش قوات الجيش الإسرائيلي ومواقع المستوطنين في الضفة الغربية».
لو كان ساركوزي واوروبا معه يرغبان فعلاً في دفع عملية السلام العربية - الإسرائيلية قدماً، فيجب أن تكون لديهما الإرادة لاستخدام نفوذهما الحقيقي على الفرقاء، وهو أمر لم تقم به إدارة بوش لأنها اتسمت بالجبن والانحياز الى طرف واحد.
* كاتب بريطاني متخصّص في شؤون الشرق الأوسط