يدرك العدو الصهيوني ان مشاريعه السياسية (الشرق اوسطية) لوراثة المشروع العربي كما اطلقته ثورة تموز الناصرية في مصر وثورة تموز العراقية 1958 تستدعي, ايضا توسيخ كل ما هو مجيد ونظيف في التجربة العربية لحركة التحرر الوطني والقومي المعاصرة, كما تستدعي بالمقابل تنظيف كل الصفحات السوداء في تاريخنا السياسي.
وقد ادرك العدو اهمية الجبهة الاعلامية والدرامية في هذه المعركة مستفيدا من مناخات الهزيمة والاحباط العامة والتربة الرخوة للمتسلقين والانتهازيين من كتاب كل المناسبات والازمان, فاطلق اكبر واخطر حملة لشطب الذاكرة القومية واستبدالها بقراءات واعمال درامية مشبوهة ابتداء بمحاولات تشويه صورة الثورة الناصرية وانتهاء بمحاولات تشويه الثورة العراقية عن طريق تلميع صورة نوري السعيد الحاكم الحقيقي للعراق طيلة ثلاثين عاما.
واذا كانت الصورة المعروفة للسعيد هي صورة مهندس افشال الاضراب الفلسطيني الكبير اواخر الثلاثينيات من القرن الماضي, وصورة افشال ثورة رشيد عالي الكيلاني 1491 ضد الاحتلال البريطاني وصورة التآمر على الملك غازي الذي عرف بكراهيته الشديدة لهذا الاحتلال, وصورة مهندس حلف بغداد الذي سقط في الشارع الاردني, الفلسطيني في الضفتين عام ,1955 فثمة صورة اخرى اكثر خطورة وفق الوثائق البريطانية المفرج عنها عام 0991. ما يفضح ويكشف كل الدعاوى التي حاولت تبرير حلف بغداد ببناء جبهة قوية على الحدود مع العدو الصهيوني فقد كان الحلف وفق الوثائق المذكورة جزءا من منظومة عسكرية استعمارية غربية ضد الاتحاد السو ييتي تشمل الباكستان وتركيا وبعض الدول العربية اضافة للعدو الصهيوني. وفي الوثائق المذكورة, فان وزير الخارجية الامريكي, دالاس, وبعد ان اقتنع برأي عبد الناصر بدعم العرب ببناء منظومة دفاع عربية مستقلة يمكن التقاطع معها ضد الشيوعية الدولية, غير رأيه بعد ان اقترح عليه نوري السعيد بناء حلف عربي- امريكي- بريطاني- تركي- باكستاني يرتبط باتفاقات سرية مع (اسرائيل).
كما تكشف الوثائق عن دور السعيد في تحريض بريطانيا وفرنسا و(اسرائيل) للعدوان على مصر ومحاولة اسقاط عبدالناصر عام 6591 بعد تأميمه لقناة السويس.