أول تجربة لي بإعداد وتقديم برنامج تلفزيوني سياسي كانت بائسة للغاية. كان ذلك قبل إلغاء منصب وزير الإعلام، وكنت اقوم بتسجيل البرنامج قبل ثلاثة ايام من البثّ، فيتم تمرير الحلقة على مدير البرامج الذي لا يجرؤ على اجازتها فيحيلها على مدير التلفزيون، الذي لا يجرؤ على اجازتها، فيحيلها على المدير العام الذي لا يجرؤ على اجازتها، فيحيلها على الوزير الذي يكون مسافرا، فيذهب موعد الحلقة دون بثّها. أنا لا أمزح، كان هذا يحدث حقاً وبمعدّل حلقة من ثلاث، فأشكو للوزير الذي بدوره يشكو عجز مرؤوسيه عن اتخاذ القرار.. وكنت يائسا من الاستمرار حين جاء مدير جديد، بعد بضعة اشهر، وأوقف البرنامج الذي كان اسمه "أجندة" فأراح واستراح.
التجربة الثانية كانت جميلة للغاية، فقد عرض عليّ المدير العام في حينه الزميل أيمن الصفدي تقديم برنامج. وكان قد جرى إلغاء وزارة الإعلام وتشكيل مجلس ادارة خاص بالمؤسسة. فقمت بإعداد وتنفيذ فكرتي الخاصّة لبرنامج سياسي، وكنّا على ابواب انتخابات 2003 فأجريت حوارات حرّة وغير مسبوقة مع الفعاليات السياسية، ثم مع المرشحين في جميع الدوائر، ولم تبق شخصية معارضة لم تأخذ حقها في الظهور وكان البرنامج الذي يبثّ مباشرة على الهواء لا يخضع فعلا لأي قيود سوى حسّي الخاص بالمسؤولية المهنية والسياسية، ولم يكن الضيوف يصدّقون احيانا أنني لا اشاور في موضوع الحلقات ولا في اسماء الضيوف. ثم ذات يوم تغيّر المدير العام وألغي البرنامج الذي كان اسمه "مثلث الحوار". كان ثمّة ارتداد واضح في الشاشة لكنني لم أكتب كلمة واحدة ضدّ التلفزيون أو مديره طوال فترة وجوده خشية أن تكون شهادتي مجروحة ما دام الانقلاب قد طالني شخصيا.
التجربة الثالثة كانت مع مجيء الزميل فيصل الشبول مديرا عاما، فقد طلب أن اعمل برنامجا جديدا سمّيته بلا قيود، تيمنا ان يحمي الاسم سقف البرنامج، لكنني عانيت وعانى معي الزميل الشبول من أول حلقة. وعلى ابواب رمضان الفائت تم ايقاف البرنامج، ولم اعتب على المدير العام فقد كنت اعرف وضعه اذ لم يلبث أن غادر هو أيضا.
كنت أدخل بقرار من مدير المؤسسة وأخرج برغبة من غيره، وكنت استشعر كل مرّة كيف يغدو الجو غائما وملبدا بالسحب القاتمة. هذا التذبذب في المناخ وفي السقف يعكس الوضع الملتبس للتلفزيون، المستقلّ وغير المستقلّ، المفصول عن الحكومة، المربوط بها، وبكل جهة أخرى ذات سلطة.