غسان شربل: هذا الرجل يحب الاضواء. يعشق الكاميرات. يبتسم بلا تردد. يحرك يديه في كل الاتجاهات. يصافح ويعانق. يراهن ويجرب. هذا الرجل يحب الأعراس ايضا. تحركه طاقة رهيبة. تحرمه من الاستقرار. ومن المراوحة. عنيد ومبادر. تدهور رصيده في استطلاعات الرأي لا يحبطه. يحاول. ويتعثر. ويبادر. لا البروتوكول يقيده. ولا تعتقله الاعراف. وحده الوقت سيحكم ما إذا كانت فرنسا ارتكبت خطأ مكلفاً حين سلمته مفاتيح الجمهورية الخامسة.
اختار نيكولا ساركوزي لحظة مواتية لتسديد ضربته. جورج بوش يجمع اوراقه استعدادا للمغادرة. حصاد اقامته في البيت الابيض مؤلم لاميركا والعالم معا. ديمتري ميدفيديف يجلس في الكرملين وينتابه قلق يشبه قلق المستأجر من عودة سريعة للمالك الاصلي. انه رئيس روسيا في عهد فلاديمير بوتين. رئيس برتبة نائب رئيس. غوردون براون ورث 10 داونينغ ستريت. ورث الساحر ولم يرث السحر. حاول استعارة ابتسامة طوني بلير فطردتها الكآبة المزمنة المقيمة في ملامح وجهه. المستشارة انغيلا مركل اظهرت رغبات لكنها تفتقر الى القدرة على بيع الاحلام. اما الصين البعيدة فلا تزال بعيدة. انها ساعة فرنسا التي ترأس الاتحاد الاوروبي حاليا. انها ساعة ساركوزي الذي يرأس فرنسا.
في حضور قادة ومسؤولين توافدوا من اكثر من اربعين دولة اطلق ساركوزي «الاتحاد من اجل المتوسط». اوروبيون وعرب وافارقة تحلقوا في باريس حول الرجل الذي لا يخاف المخاطرة برصيد فرنسا معتبرا ان الجمود هو المخاطرة الاكثر كلفة.
ولا حاجة الى التذكير بأن الحاضرين ينتمون الى حضارات وثقافات وديانات واعراق ولغات. وان جروح التاريخ تركت آثارها على بلدانهم ومشاعر شعوبهم. وان في الضفتين من يتذكر جيوشا جاءت وحاولت فرض لونها أو ارادتها وكسر ارادة المهزوم وقولبته. ولا حاجة ايضا الى التذكير بأن الضفة الاوروبية تقيم في زمن مختلف بعدما نجحت في الخروج من وطأة التاريخ واختارت قبول الآخر والتعاون معه والمبارزة بأرقام الميزانيات بدل التلويح بالترسانات.
في الضفة الجنوبية من المتوسط تبدو الصورة مختلفة. الانتقال الى الديموقراطية يشبه تجرع السم. الجرعات قليلة والمقاومة شديدة. دول قلقة تكتظ شوارعها بالعاطلين عن العمل. الامية مرتفعة والجامعات عتيقة وما ينفق على البحث العلمي يقل بكثير عما ينفق على اجهزة الاستخبارات. زيادة سكانية مقلقة. هجرة غير شرعية في اتجاه الضفة الاخرى. شعور بالغبن والظلم والدونية. شعور بالتمييز في القرية الكونية التي يختلف دخل الفرد كثيرا فيها بين حي وآخر تماما كما تختلف المعتقدات والقيم ومعاني الكلمات.
ليس سهلا ترتيب البيت الاورومتوسطي. النزاعات فيه ليست بسيطة. النزاع العربي الاسرائيلي سمم انطلاقة مسار برشلونة. نزاع الصحراء الغربية لا يزال بلا حل. المشكلة القبرصية لم تتقاعد بعد. ربما لهذا السبب حرص صاحب الدعوة على اطلاق مجموعة رسائل. الاعلان عن تصميم سورية ولبنان على تبادل التمثيل الديبلوماسي بحضور الرئيسين بشار الاسد وميشال سليمان. تشابك الأيدي مع ايهود اولمرت ومحمود عباس وتأكيد الاستعداد لاتخاذ قرارات صعبة. والاكيد ان التقدم في معالجة هذه النزاعات سيسهل الانتقال لمعالجة مشاكل التلوث والطرق البحرية والتعاون الاقتصادي.
في عالم التكتلات وصعود القوى الآسيوية تحتاج القارة الهرمة الى ابناء الضفة الاخرى. والاكيد أنهم يحتاجون اليها. الى التكنولوجيا والخبرة والاستثمارات. فالتنمية وحدها ستضمن ان لا تنزلق الضفة الجنوبية الى اليأس والتطرف والافكار التي تدعو الى صدام الحضارات والأديان والثقافات والى شطب الآخر.
من المبكر الجزم بما ستكون عليه الحال بعد العرس. ففي هذا الجزء المعقد من العالم يبرع الواقع في احباط الاحلام. لكن الاكيد ان العرس كان حاشدا. وان ساركوزي حاول ان ينتزع لنفسه قامة دولية وان ينتزع لبلاده دورا بارزا في ما يسمى العصر الاميركي وفي مرحلة صعود القوى الجديدة خصوصا في آسيا.
تغيرت فرنسا وتغير الاليزيه. الرئيس الخمسيني متحرك وعاشق ومجازف. لم تعرف الجمهورية الخامسة مثل هذا الضجيج. عاشت ايفون ديغول في ظل الرجل الذي جاء من التاريخ وأبحر فيه. واكتفت كلود جورج بومبيدو بالدفاع عن الفنون. وابتعدت ايمون فاليري جيسكار ديستان عن الاضواء. وكتمت دانيال ميتران سر عشيقة «القيصر» وابنته. ووقفت برناديت شيراك الى جانب زوجها على رغم ما اشيع عن دقات قلبه. وحده «ساركو» كسر القواعد. جاء الى الاليزيه. ودع سيسيليا واستقبل كارلا. رئيس مجازف غارق في عسل الاحلام. لم يبق لديه ما يطلبه غير مقعد بارز على ضفاف المتوسط وصفحات التاريخ.
الحياة اللندنية