نبيل عمرو من عمان: في الوقت الذي تحتاج فيه المملكة الهاشمية ،إلى كل أبنائها من الحماة والبناة ، العمال والفلاحين ، المهنيين والحراثين ، الحرفيين والتجار ، الصناع والمستثمرين ، وإلى كل جهد بناء يقوم به رجال ونساء آمنوا بفلسفة الحكم الهاشمي ، وعمدوا بقيادتهم الحكيمة الأردن الحديث بالدم والعرق ليكون له مقعد في مسيرة التطور العلمي والتقني التي يشهدها العالم ، والتي لا مكان فيها لمتقاعس أو متخاذل أو متحاذق أعمته الأنا عن رؤية الحقيقة ، وأضاع بصيرته في هوس البحث عن مخرجات موبوءة يظن فيها المكاسب وتنمية المصالح حتى لو كان ذلك على حساب الوطن والدولة والنظام السياسي .
في هذا الوقت يطالع الأردنيين بين الحين والآخر حفنة من المأفونين أو شلة من المتكسبين ، أو ثلة من المهمشين أو بعض من أصحاب الأجندات المشبوهة يعقدون حلقات ، تجمعات ،ويخرجون بأفكار وبيانات وتوقيعات على عرائض يتناولون فيها قضايا حق يراد بها باطل في معظم الأحيان ، أو هلوسات وتهويمات تثير السخرية والضحك ، كما سمعنا مؤخرا عن تجمع يدعو إلى تحويل نظام الحكم في المملكة الهاشمية إلى نظام ملكي دستوري ، على غرار مملكة بريطانيا ، وأن يكون رئيس الوزراء منتخبا من الشعب على حد ما أفرزته مخيخات شلة من يشترطون أن لا يكون في تجمعهم أو اجتماعهم أي أردني من أصل فلسطيني وأن يصار إلى صياغة دستور أردني جديد بدلا من الدستور المعمول به حاليا منذ 1952 ، والذي يعتبر واحدا من أرقى دساتير العالم ....!
حين يصل الأمر إلى هذا الحد من الهلوسة ، وتسري مثل هذه المعلومة بين الناس كسريان النار في هشيم هذا الصيف القائظ الذي تشهده المملكة الهاشمية ، وهي تقف على حد السيف بين غائلتي السياسة والإقتصاد اللتان تطبقان عليها بقوة وعنف ، تبرز التساؤلات المشروعة ، لمصلحة من يعمل هؤلاء ، وماذا يريدون ؟ ثم أين الدولة ولماذا تصمت على مثل هذه المهاترات ؟ وهل هناك من يخطط لإحداث فتنة بين مكونات الشعب الأردني ؟
هذه التساؤلات تترد في الأوساط السياسة والشعبية الأردنية خاصة وأن هذه الخزعبلات جاءت في أعقاب الحديث الشامل الذي أدلى به الملك لوكالة الأنباء الأردنية " بترا " مؤخرا والذي أعتقد الناس بعد قراءته ستتوقف فعاليات الشغب والمناكفة وسيخجل مثيرو الفتنة من أفعالهم المشينة ، وسيفهم العابثون الذين غرقوا في العدمية فرهنوا عقولهم لحسابات وأجندات أقل ما يقال فيها أنها تؤشر على محاولات لتقويض الأمن و الاستقرار في البلاد .
* الخيار الأردني
بالأمس حسم الملك هذه المسألة في واشنطن ، حين قال ، إن الخيار الأردني لحل قضية فلسطين مرفوض من الأردنيين والفلسطينيين ، لكن مسألة الاشتباك الأردني الفلسطيني في مواجهة العدو الإسرائيلي ، هي مسألة أخرى ، وحماية الأردن وتأمين مستقبله تحتاج إلى القوى الأردنية مجتمعة للعمل من أجل استرداد فلسطين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف في حدود الرابع من حزيران 1967،كسبيل وحيد يحقق الأمن والإستقرار للأردن.
ومصطلح الخيار الأردني يتراوح بين أكثر من فهم حيث يعتقد البعض أنه يعني أن يصبح شرقي النهر مكانا لدولة فلسطينية ، وفي هذه مغالطة كبيرة ، لأن إسرائيل ذاتها لن تسمح بمثل هذا العمل الذي يتيح للشعب الفلسطيني في أنحاء المعمورة أن يتجمع بملايينه في شرقي النهر ليبدأ في أية لحظة وربما من اللحظة الأولى حملة تحرير فلسطين ، حيث يعلم الجميع أن الفلسطينيين يولدون باسم الله وباسم فلسطين ويدفنون باسم الله وباسم فلسطين .
أما الفهم الثاني لمصطلح ما يسمى الخيار الأردني ، هو أن يقوم الأردن الرسمي بنسج علاقة اتحادية مع السلطة الوطنية الفلسطينية قبل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بشكل ناجز ، وعند هذا الفهم يصبح الأمر ضمن المعادلات السياسية الإقليمية والدولية ، وهي معادلات قد يكون فيها بعض ما يحتاج إلى إيضاحات ووعي ليتمكن الكتاب والصحفيون والنشطاء والمتسيسين من الإدلاء بآرائهم فيها ، فيما يكون الأجدى أن يُترك أمرها لصاحب الأمر الذي بمقدوره أن يزن ايجابياتها إن كان فيها إيجابيات وسلبياتها إن كان فيها سلبيات ، ويعتمد في نهاية المطاف مصلحة البلاد والعباد .
أما موضوع بيع أراض ومبان لغايات الإستثمار أو سداد الديون الخارجية أو دعم الخزينة فليس لأحد أن يعترض أو يناقش الأمر إلا بحثا عن شفافية أو لفساد موثق،وقد حسم الملك الأمر وهو أدرى برجاله،ومن المعيب لأحد أن يعاود طرح هذا الأمر بعد حديث الملك عنه إلا إن كان المقصود المماحكة بالملك شخصيا.
* هاشميون وإن طال السفر
شاء من شاء وأبى من أبى ، فإن أهل جنوب الديار الشامية بوحدتهم الديموغرافية على ضفتي نهر الأردن المقدس شرقا وغربا هم هبة الهاشميين في حاضرهم ومستقبلهم ، ولن يتمكن السلبيون في الغرب أو الشرق من أصحاب الأجندات الخاصة ، أو المرتهنين أو الموتورين مهما يفعلون أن يؤثروا في هذه الحقيقة التي دونها الدمار للجميع ، والعبث بها خيانة ليس بعدها خيانة، ومن يريد أن يكون أردنيا وطنيا حقا ‘ فإن هذه الوطنية لا تكتمل بدون فلسطين ، دولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف ، ومن يريد أن يكون فلسطينيا وطنيا ، فإن وطنيته لا تكتمل بدون الحفاظ على الأردن وأمنه واستقراره ، وهذه حقيقة أخرى لا يتجاوزها العقلاء ، ولا يعبث إلا مغرضون .
أما الحقيقة الثالثة التي يتوجب على العدميين في الأردن تذكرها دائما فهي ، لم تلده أمه ولن تلده من يمكنه أن يزايد على الهاشميين في حرصهم على الأردن وفلسطين ، كما أن السياسة الخارجية بصورة عامة وما يتعلق بقضية فلسطين تحديدا لم تكن يوما لتشهد مثل هذا العبث ومحاولات خلط الأوراق بطريقة ، لا يمكن وصفها بغير الشغب والتشويش الذي لن يجني منه القائمون عليه سوى سواد الوجه ،إذ إن التعاطي مع ملفات القضية الفلسطينية بالنسبة للأردن مسألة شائكة وبالغة التعقيد وتحتاج إلى قرارات صعبة لا يجوز أن تتحول إلى مادة تكسب وارتزاق أو استعراض أو إعلان عن الوجود أو سعي لوظيفة ومنصب ، والأخطر من كل ذلك ، لا يجوز أن تستخدم لإشاعة الفتنة ودق الأسافين في البنية الاجتماعية الأردنية التي ستبقى عصية على زمرة المأفونين بحماية عميد آل البيت عبد الله الثاني ابن الحسين .
n-amro-55@hotmail.com