داود البصري من أوسلو: لعل واحدة من أكبر البشاعات في تاريخ العراق المعاصر هو ما حدث في يوم الرابع عشر من تموز/ يوليو 1958 في بغداد و حيث تم الإجهاز الجبان و الدنيء و بطريقة مفتقرة و فاقدة لكل القيم العربية و الإسلامية و الإنسانية على العائلة الهاشمية المالكة في العراق و إبادتها عن آخرها إلا بقية قليلة منها تمكنت من النجاة لكونها لم تكن مقيمة ضمن أسوار ( قصر الرحاب ) الملكي الذي شهد كل فصول عملية الغدر الجبانة.
ففي فجر ذلك اليوم الأسود و الذي كان بوابة جهنم لكل العراق و كما تبين مستقبلا قام عدد من الضباط بتنفيذ خطة إنقلابية كانت معدة منذ زمن و بالتعاون مع بعض الأحزاب السياسية المعارضة و السرية و التي كانت أداة من أدوات الحرب الدولية الباردة آنذاك و في طليعتها ( الحزب الشيوعي العراقي ).
وكانت الخطة تقليدية تعتمد على سيطرة الجيش على مراكز الدولة المهمة و الستراتيجية كالقصر الملكي ووزارة الدفاع والداخلية و بعض رموز السلطة المهمة و الفاعلة ، و من ثم و على الطريقة المصرية التقليدية يتم إعلان بيان بإسقاط النظام الملكي و إقامة الجمهورية تحت رعاية و مشاركة العسكر ، و قد نجحت خطة الإنقلاب لكون قادة ذلك الإنقلاب من العناصر المعروفة بولائها و قربها للقيادات المهمة وقتذاك خصوصا و إن قائد الإنقلاب الزعيم عبد الكريم قاسم كان محلا لثقة رجل النظام القوي آنئذ الجنرال نوري السعيد.
كما أن الإنقلابي الآخر العقيد عبد السلام عارف كان ضابطا أهوجا بقناعات قومية مع دينية متطرفة تتعلق أساسا بنشأته و تربيته ، و كان بقية تنظيم الضباط الأحرار الذي خطط و قام بعملية الإنقلاب يضم عناصرا مختلقة الأهواء و الأمزجة لا بل أن بعضهم كان يعمل لصالح توجهات و إرتباطات خارجية بريطانية أو أميركية فقد ثبت تاريخيا بأن الولايات المتحدة كانت على علم مسبق بخطة الإنقلاب و حتى توقيته و لم تسع لإنقاذ النظام الملكي رغم كونه كان آنذاك حليفا للغرب و كانت بغداد ذاتها مركزا من مراكز عمل و نشاط حلف الأطلسي و كان ( حلف بغداد ) الذراع الجنوبي لحلف شمال الأطلسي ( ناتو ).
ولكن لستراتيجيات و أساليب الدول الكبرى طرق ووسائل و أحابيل تصل لحد الألغاز الغريبة ، وهذا المقال ليس مهمته تحليل الدواقع و الخلفيات لما جرى فلذلك مقالات أخرى قادمة لا محالة ، و لكن الهدف المركزي يتمثل في إستذكار الكيفية و الطريقة التي تمت بها عملية الغدر الإنقلابية التي أبادت العائلة المالكة بطريقة بشعة و جبانة و هي طريقة كانت مؤشرا على طريق الغدر البشع الذي دخلت في أتونه السياسة العراقية و على نهر الدم العراقي الكبير الذي حفره الإنقلابيون ليغرق في أمواجه كل الشعب العراقي فيما بعد حتى الوصول لمرحلة الضياع الحالية بعد سقوط الدولة العراقية تحت براثن الإحتلال الأمريكي / الإيراني الراهن.
وبعد إنهيار الكيان العراقي الحديث الذي بناه الهاشميون في العراق الذين قادوا تكوين العراق الحديث بعد قرون من الإحتلال الأجنبي المغولي و التركماني و الفارسي ثم العثماني و البريطاني وصولا لفجر الحرية و الإستقلال منذ أوائل العشرينيات و حتى إكتملت قوالب الدولة العراقية الحديثة الناهضة في عام 1932 فكان العراق أول دولة عربية نالت إستقلالها و من أوائل الدول التي دخلت لعصبة الأمم.
فيصل العظيم بنى اركان مملكة
وتحت رعاية النظام الملكي العراقي بقيادة الملك الراحل الحكيم و العظيم فيصل الأول بن الحسين الهاشمي شيدت المملكة العراقية الناهضة أركانها ، نعم لم يصل العراق لدرجة الكمال وقتها و لكنه كان متفوقا بكثير على أقرانه و على دول الجوار و كان يحبو بمشقة و لكن بعزم و تصميم و في ظل متغيرات كونية سريعة ، و كان يشهد نشاطا في مختلف المجالات السياسية و العسكرية و الإقتصادية و الفنية و الأدبية و كل صور و مناحي الحياة ، لقد بدأ النظام الملكي الهاشمي بناء العراق من العدم و من تحت الصفر.
فكل شيء كان ممسوحا قبل أن تشيد المملكة العراقية أركانها فلا تعليم حقيقي و لا مجتمع مدني فعلي بل تجمعات عشائرية و قبلية و إدارات تركية مهلهلة تعود للعصور الوسطى و شباب عراقيون يمارسون الخدمة العسكرية في جيوش السلطان العثماني وولاءات ممزقة و لا شيء يشبه الدولة الحديثة أبدا ، فبدأ البناء الصعب تحت القيادة الهاشمية و بنيت الشخصية الوطنية العراقية لتكون بديلا عن الهوية العشائرية أو الطائفية و روعي في بناء الدولة أن تكون لكل العراقيين و ليس لفئة أو طائفة و كان التسامح سيد الموقف و كانت العائلة المالكة قريبة للشعب و تطلعاته و لم تكن متعالية عالية أو تفصلها عنه الأسوار بل كانت تعيش وسط الناس و محبتهم و رعايتهم.
نظام ملكي واقعي
نعم لم يكن النظام الملكي مثاليا و لكنه كان واقعيا و يعبش أزمات مجتمعه لذلك لم تكن العائلة المالكة بالغة الثراء أو تمارس عملية النهب بل كان مستواها الإقتصادي أقرب للطبقة الوسطى من التجار العراقيين كما كانت قصور العائلة بسيطة للغاية مقارنة مثلا بالقصور الأسطورية لأسرة محمد علي باشا الحاكمة في مصر!! حتى أن المصريين كانوا وقتذاك يستغربون من فقر حال العائلة الهاشمية المالكة في العراق.
وطبعا بعد موت الملك فيصل الأول الفجائي في سويسرا عام 1933 لم يستطع وريثه الملك غازي الأول أن يسد الفراغ الكبير الذي تركه والده الراحل الحكيم ، فغازي لم يكن يمتلك مؤهلات والده القيادية الحكيمة و لكنه كان يمتلك طموح الشباب و حماستهم فتدخل في شؤون الحكم في ظل مرحلة راجت فيها العروش و القيادات الكبيرة و الأفكار المتطرفة كالكمالية في تركيا و البهلوية في إيران و ظهور النازية و الفاشية في أوروبا ، ثم هبوب رياح الإستقطاب الدولي على العراق في مرحلة ما بين الحربين.
الملك غازي الشاب القومي
وفي ظل الإستعداد لقيام حرب كونية جديدة إضافة إلى السلوكيات الشخصية الغريبة للملك و محاولته للعب دور زعامة قومية عربية و فتحه لملفات صدام صعبة مع البريطانيين مما أدى في النهاية لمصرعه إغتيالا على أرجح الإحتمالات في الرابع من مايو / أيار 1939 لتختتم برحيله المفاجيء مرحلة مهمة و ليدخل العراق و العرش الملكي تحت وصابة المرحوم الأمير عبد الإله بن علي حتى يبلغ الوريث الطفل فيصل الثاني السن القانونية ليتوج ملكا على العراق عام 1952 و حيث شهد العراق خلال تلك المرحلة أحداث جسام توجت بالإحتلال البريطاني الثاني عام 1941 بعد حرب قصيرة مع حكومة الدفاع الوطني التي هيمن عليها المربع الذهبي من العقداء الذين كانوا مؤيدين لدول المحور و معروفو نهاية تلك المغامرة التي تشابهت في بعض فصولها مع مغامرة عزيز علي المصري في مصر عام 1942 ! .
المهم أن تدخل الجيش العراقي في السياسة و تسلل الأفكار اليسارية و الشيوعية تحديدا للمؤسسة العسكرية قد جعل طريق الإنقلاب العسكري معبدا و سالكا و حيث تكونت التنظيمات العسكرية التي حاولت و منذ عام 1956 قلب نظام الحكم حتى تهيأت أو هيأت لها الفرصة في صيف 1958 و قبيل ساعات من مغادرة الملك وولي عهده لأنقرة لحضور المؤتمر الدوري لدول حلف بغداد قبل أن تفاجأ قوات الإنقلابيين العائلة المالكة وهي في قصرها ( قصر الرحاب ) و بعد مناوشات بسيطة أعلن الحرس الملكي إستسلامه كما إستسلمت العائلة الملكية الصغيرة المكونة معظمها من النساء إضافة للملك فيصل الثاني وولي عهده أو الوصي السابق الأمير عبد الإله ثم فجأة إنطلق حزام النار ليحصد الأسرة المالكة و على يد الضابط عبد الستار سبع العبوسي الذي إنتحر أوائل السبعينيات من القرن الماضي بعد إصابته بلوثة عقلية.
تفجر تيار الحقد في العراق
ثم تفجر تيار الحقد و البدائية في الشارع العراقي و حيث هيمن الغوغاء و السوقة و سقط المتاع و باشروا على الفور في عمليات قتل و سحل بالحبال و تقطيع للأوصال البشرية في خسة تاريخية ستظل شاهدة على مقدار التخلف و الأمراض النفسية و في منظر أضحى للأسف سنة عراقية متبعة فقد قتل في الشارع عددا من المسؤولين و الدبلوماسيين العرب من الأردن الشقيق كما قتل عدد من الأجانب إضافة إلى مصرع رجل النظام الملكي و السياسي العراقي القدير المرحوم نوري باشا السعيد وولده صباح و بطريقة بشعة مورست معها الفاشية و الوحشية بأبشع صورها و لم تكن دليلا على الشجاعة بقدر ما كانت عنوانا على الجبن و الخسة و التوحش و البدائية.
وهبت على العراق منذ ذلك اليوم الأسود رياح التصفية الجسدية و الأحقاد السياسية و التصنيفات الطائفية و تقوضت الدولة العراقية بعد أن أضحى لصغار الضباط اليد الطولى في تقرير الأمور ، ثم تقاتل الإنقلابيون فيما بينهم و بدأوا بالتذابح و إقامة مهرجانات الإعدام و الإغتيالات المتبادلة و غرق الشارع العراقي في دوامة العنف المريض و تقوض كل شيء و أعتقد إنني بحاجة لما هو أكثر من كتاب لوصف الحالة البشعة التي وضع الإنقلابيون العراق على سكتها!.
لقد رحلت العائلة المالكة لربها وهي تشكو غدر الغادرين كما رحل جدهم الإمام الحسين عليه السلام و أهل بيته قبل أربعة عشر قرنا وهم يشكون ظلامتهم و قلة ناصرهم و الغدر الذي أحاق بهم من قبل القتلة و الرعاع ، إنه التاريخ يعيد تكرار بعض صفحاته بصورة مأساوية مستمرة ، فرحم الله كل الشهداء الذين سقطوا مضرجين بدمائهم أو تقطعت أوصالهم بحبال المجرمين ، و رحم الله العائلة المالكة الهاشمية الشريفة التي قدر لدمائها أن تكون البداية الحقيقية لفوران الدم العراقي المراق بمجانية رهيبة على يد الأنظمة العسكرية و الفاشية التي توالت على حكم العراق لتحوله لهشيم مدمر و حيث يخضع اليوم للإحتلال و لغلمانه و مريديه من الطائفيين و القتلة الجدد... و لعنة الله على القتلة من كل صنف و لون.. و لا حول و لا قوة إلا بالله.....
dawoodalbasri@hotmail.com