الكثير ُ من الوعود العريضة التي تلقّاها المواطن العراقي , وهو يحلم بجزءٍ يسير ٍ من تنفيذ هذه الوعود التي تكفل له حياة بسيطة آمنة , لا عوز فيها ولا آلام , يحاول فيها الاتكاء على مقدّراته التي تمتاز بزهدها منذ أن صار العراق الجريح مسرحاً للكوارث الدائمة والمصائب المتتالية والأحزان التي لا تريد أن تنتهي , من قاموس ٍ صار عراقيا ً خالصا ً بامتياز , لا يمكن المنافسة عليه أو المزايدة فيه ... أتجوّل اليوم بين أطفال ٍ بعمر الورد , ورهافة الربيع , وحزن الهم المبكّر الذي لا يليق بأعمار ٍ , ينبغي أن يكون أصحابها وهم في عطلة مدارسهم , في نوادي الترفيه , واللعب , وتطوير القابليات الذهنيّة والبدنيّة , لا تحت شمس تمّوز , في شوارع تغلي , حرارة واحتداما , وهياجا ً في كلّ شيء , وأنا أعتذر مجددا ً من زملائي الإعلاميين الذين لاموني على السعي وراء الأزمات , والكتابة عن الأحزان والأوجاع والآلام العراقية , وتجنب الخوض في رصد الصور الايجابية المشرقة , وأنا والله , أحاول في كلّ مرة , التقاط نقاط الأمل , فتتبعثر حروفي , وتعود إلى نسقها الأساس ألم , حين أرتطم بأولى الحالات التي تواجهني من معاناة أبناء جلدتي وهم يئنون حسرة وجراحا ً , لذلك أنساق تلقائيا للحديث عن الحزن , لأنه أكثر أصالة من الفرح , كما قالوا , ولأنه مادة حقيقية لجوهر الإنسان ..( أن الإنسان بلا حزن ٍ ذكرى إنسان ) كما يصدح صوت الفنان العراقي المتألق كاظم الساهر , بكلمات المرهف الجميل الراحل نزار قبّاني ,. فأعتذر لزملائي ثانية , إذ أنني سأخوض بموضوع حسّاس وجوهري ويمسّ العصب الحي من حياة المجتمع العراقي ومستقبله وراهنه , وهو موضوع عمل الأطفال ... وفي البدء كانت انطلاقتي من الشارع , حيث يزدحم الأطفال الصغار عند تقاطع الطرق , لبيع أيّ شيء ٍ , من الممكن أن يشتريه العابرون , ليؤمن البائع الصغير في نهاية النهار قوت عائلة تنتظره بهلع ولهفة وقلق , وغيوم من دمع مستعد للمطر في أية لحظة ...
يتجمهر الصغار , وهم يطلقون أصواتهم عارضين بضاعاتهم , وأصواتهم , مشوبة ٌ بالأحزان , هم الذين تركوا مقاعد الدرس , وتحمّلوا أعباء الحياة مبكرا ً , ولكل منهم حكاية , تشيب لها الرؤوس , لذلك , لففنا حكاياتهم , لنطلقها في عمل ٍ أدبي , قد يكون أكثر اتساعا ً وتفصيلا ً مما نخوض فيه الآن ونحن نرصد الظاهرة بعامّتها , هذه الظاهرة , التي شكّل فيها التنافس , تكتلات ٍ من نوع ٍ غريب ٍ خاص , من أجل أن تحظى كلّ جماعة , بمنطقتها , لترويج البضاعة التي لا تحتمل دخول منافس ٍِ غريب ٍ !! , إحدى مجاميع الصغار هذه , مجموعة ( أبو الصوف ) وهو الاسم المستعار لكبير هذه المجموعة وهو ( مصطفى ) الذي قال لي بحماس ٍ ومرح ٍ : أن واجبنا ( نقابي ٌّ كما تسمّونه ) , فأنا مع زملائي ننظم عملنا , في منطقتنا , في التقاطع الذي تشاهده في ساحة (...... ) , ونحن هنا متفقون على صيغة تصريف بضاعتنا على المارّة وركّاب السيارات , كما أننا نتآزر ونتعاون في كل شيء , وأيضا ً , لا نسمح للغرباء بالتنافس معنا , فقلت ُ له : ولكن هذه الساحة , عامّة , ومن حق أي شخص أن يتواجد فيها ويبيع بضاعته , فيقول لي أبو الصوف بثقة : نحن لا نمنع أحدا ً , لكن تنظيم عملنا , يبعد الغرباء عنا , إذ أننا وكما في الأفلام التي نشاهدها , حين يأتي المشتري , فنحن نعرض عليه البضاعة بشكل تضامني , فمثلا ً , أنت تريد شراء , مروحة يدويّة ,فأننا جميعا ً نساهم في حضور بائع هذه المادة من بيننا , ونجعله أمامك ونحن نحيط به , فلا نسمح لأحد غريب منافسته , وبالتالي فنحن نحقق نسيج تضامننا , قلت ُ له : والمدارس يا أبا الصوف ؟ فقال لي : أولا ً , هذا موسم العطلة الصيفيّة , وثانيا أسألك بالله عليك : ماذا أفادت الدراسة والشهادة آباءنا , كي نقتدي بهم ,. ونحث الخطى للحصول عليها , المهم أننا جميعا ً نقرأ ونكتب , وعائلاتنا تشكو العوز والجوع , ولا مصدر لنا غير بيعنا هنا في الشارع , لمواد استهلاكية , لا أريد منه سوى توفير قوت يوم عائلتي , وغدا ً يفرجها الله تعالى .
في مكان آخر عبارة عن حي صناعي , شاهدت ُ أطفالا ً متسخين , بزيوت المكائن , وأدوات تصليح السيارات , وهم يعملون بمشقّة أما مع آبائهم , أو مع أسطوات , سألت ُ رجلا ً , يعمل ابنه ذو الخمسة عشر عاما معه : لماذا يشتغل ولدك بهذه المهنة الشاقة , وهو مازال مراهقا ً , ومن المفروض أن يكون الآن في مكان آخر , فهزّ الأب يده ضاحكا ً : أين تريده أن يكون ؟ في المسبح أو النادي الرياضي مثلا ً ؟ أم تريده أمام شاشة الحاسوب , ليتعلم ؟ أين الكهرباء يا أخي , وأين الأمان , وقبل ذلك أين سبل الحياة الكفيلة بأن تجنبنا الحاجة ؟ فأنا تربوي , ومع هذا لا أستطيع تربية ابني بالكيفية التي أريد , لأنني أنا شخصيا ً أعمل في تصليح المكائن , وهي مهنة شاقّة , كما أنني معيل لعائلتين , ولا جدوى – في العراق الجديد – غير أن نتخلّى عن اهتماماتنا , وأن نعمل في المهن البديلة كي نعيش .
وهكذا هناك آلاف النماذج والشواهد على عمل الأطفال الصغار , بل هناك , مشاريع لأشخاص مختلفين منهم , سيكون لهم شأن سلبيّ في المجتمع مستقبلا ً , لأنهم يتعلمون من الآن الحيلة , وطرق الحصول على الأموال بأساليب شتّى , لاسيّما , الأطفال الإناث , اللائي , تستحق ظاهرتهن وقفة ألم طويلة , لرصد معاناتهن ومعاناة عائلاتهن , ما يمكن أن يحدث لهن في شوارع العراق , الضاجة الملتهبة ....
والله كريم !!