|
يسري حسين من لندن: يمثل روبرت موغابي للإفريقيين زعامة وطنية قدت حركة الإستقلال , لكنه في الوقت نفسه أهدر هذه المكانة بالإصرار على التمسك بالسلطة ورفض تداولها وعدوانه على المعارضة وإتهامها بالعمل لصالح النفوذ الأجنبي .
ولم يتعلم رئيس < زيمبابوي > أن الوجود في السلطة إعتماداً على أجهزة الأمن , يحوله إلى ديكتاتور مرفوض , كما أن تزييف الإنتخابات وترويع المعارضة , ليس تعبيراً عن قوة سياسية , وإنما عن ضعف وخور سياسي . والأنظمة التي تعتمد على قبضة الأجهزة في ظل غياب الشرعية والإجماع البرلماني , فقيرة وتعاني من فقر دم سياسي , ووجودها على رأس السلطة يزيد من المواجع والإحتقان والتوتر , كما نه يحرك عدم الإستقرار ويدفع لإستخدام العنف ويحرك التطرف , وتسقط البلاد في أزمة طاحنة , حيث لا تستطيع إدارة شؤونها في ظل الفوضى والتشدد على رأس السلطة .
كان يمكن لموغابي قبول إجراءات إنتخابات نزيهة , وتحدي المعارضة , إذا كان يملك الثقة في تأييد الناخبين له , غير أن إعتماده على العنف والترويع سحب منه تراثه السابق القديم بإعتباره مناضل ضد الإستعمار وحرية إفريقيا السوداء .
يستخدم الرئيس الزيمبابوي الخطاب القديم في التحريض على عدو لم يعد قائماً , وكان يمكن مواجهة الضغوط الدولية حوله بالإعتماد على تحالفات مع المعارضة يقوي بها نظامه ضد الخارج , لكنه فعل العكس إذ نكل بخصومه بشراسة شديدة مما جعل الجميع يفرون من الساحة ويتركونها فارغة أمامهم , فأصبح ينافس نفسه في الإنتخابات الأخيرة التي فاز بها بطريقة مآساوية .
وقد خسر < موغابي > بالبقاء في السلطة كل هذه السنوات الطويلة , ولم يعد لديه ما يقدمه , فإعتمد على البقاء بقوة الأجهزة , وهذا هو الضعف نفس وعدم القدرة على إستثمار جهازه السياسي وحزبه للتحاور مع المعارضة على ساحة إنتخابات حرة مفتوحة .
وقد عبر الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا , عن ضيقه الشديد من سياسة < موغابي > المتشبث بالسلطة والطارد لمعارضيه بهذه الشراسة . وقد تحفظ رئيس جنوب إفريقيا السابق عن توجيه إنتقادات للرئيس الزيمبابوي , إحتراماً لتاريخه القديم ونضاله ضد الإستعمار , لكن تحركات الأخير في الإصرار على البقاء بالسلطة بتزييف الإنتخابات , إستفز الجميع خصوصاً لزعيم ضرب المثل في محبة بلاده بالتنحي عن السلطة لصالح أجيال شابة أخرى قادرة على العطاء . كما أن < مانديلا > عندما خرج من السجن إلى رئاسة الدولة , لم يُطبق سياسة الإنتقام من خصوم في النظام العنصري السابق , وإنما طبق مبدأ العفو والتسامح والتنازل عن حق له نتيجة سجنه ظلماً لمدة 27 عاماً , لمطالبته بحرية بلاده ومساواة حقيقية .
كان لأسلوب < مانديلا > أكبر الأثر في تعميق ديمقراطية لا تنتقم ولاتسجن الخصوم ولا تطارد المعارضين , لأنه يريد إزدهار جنوب إفريقيا , بالديمقراطية وليس بإقامة السجون والمعتقلات وتعذيب المخالفين له في الرأي والإتجاه .
إن الشعوب تنمو بالحرية وتزدهر بالديمقراطية , وتعيش في ظل تسامح يعمل على تجاوز الأحقاد والخصومات ويفتح الطريق أمام تنمية يشارك فيها الجميع بالفعل مع وجود للمعارضة على قمة هذا النظام .
لقد إكتشفت الأمم المتحضرة , أن إزدهارها يعود لوجود المعارضة , التي هي كيان أصيل من أجل التقدم وكشف الفساد وتنقية طريق الشعوب بالرقابة الواعية . والبريطانيون مع شعوب أخرى يمنحون المعارضة الغطاء الشرعي القانوني لمطاردة الحكومة لكشف سلبياتها .
وعندما تصبح المعارضة هي الحكومة , نتيجة فوزها في الإنتخابات , تتحول الأخرى السابقة إلى كيان معارضة يتولى إدارة دفة هذا النظام الذي يحلق بجناحي القوة الواعية بحق الشعوب في مراقبة الأداء وحماية ثرواتها والدفاع عنها عبر الوجود المستقل لتيار المعارضة , وخلال صحافة لا تمدح على الإطلاق , وإنما كل مهمتها تنقية الحياة السياسية والعامة من إستغلال النفوذ ونشر الفساد أو زرع قيم الإحتكار .
بعض أنظمة إفريقية تحكم بجناح واحد فقط , هو السلطة وأجهزتها , وتجرم المعارضة , والنتيجة هي الإحتقان وضياع الثروات ونهبها وإستمرار التوتر وإنفجار الصراعات الطائفية وإرتفاع حجم ضحايا النظام الواحد الشمولي بقسوة وعنف , وعدم السماح للآخر بالتعبير عن نفسه .
وتعد موجة < موغابي > هي التحدي الحقيقي لنظام سياسي يطرح نفسه على مستوى العالم , يرفض إحتكار السلطة مهما كان نوعية الشخص الذي يقف على قمتها .
إن تاريخ الرئيس الزيمبابوي في محاربة الإستعمار , لا يمنحه سلطة مطلقة للبقاء وترويع الآخرين وإتهامهم بالخيانة , لأن ما يفعله هو نفسه يمثل الخيانة لأماني وطنية , لأن الشعوب لا تتحرر من إستعمار خارجي حتى تقع في آخر داخلي , يمارس العنف نفسه وطرد الآخرين من الساحة حتى يبقى منفرداً بها .
إن الأنظمة الوطنية التي جاءت بعد مرحلة إنحسار ظاهرة الإستعمار , سقطت في تناقضات بالغة , إذ إعتقدت أن دورها السياسي يسمح لها بسلب الحرية من شعوبها والتمتع هي بها بمفردها . لقد غرقت أغلب التيارات الوطنية في مأزق شديد الإفلاس والإحباط , لأنها سخرت السلطة لصالحها وإحتكرت الدولة لها , ومنعت عن الآخرين حق التداول والمشاركة والإسهام في بناء أوطانهم .
ولأن هذه السلطات الوطنية إحتكرت كل شئ من مال ونفوذ ومقاعد البرلمان والصحافة , فإنها وصلت ببلادها إلى حالة من الحصار والتوتر , كما حدث في تجربة العراق قبل سقوط النظام السابق , الذي إحتكر كل شئ وإدعى الوطنية لنفسه , وطارد الآخرين بقسوة شديدة .
إن نهج < موغابي > هو الخطأ والكارثة , ولا تنفع عملية العودة إلى التاريخ لتبرير الإعتداء على الحرية ومطاردة وسجن الآخرين . ونموذج < مانديلا > هو الصحيح الذي سمح بتداول يقوم على لاإنتخابات الحرة والمفتوحة وليس الإحتكار البشع بكل وجوهه .
ولم تحقق القوة إستمرار نظام < موغابي > لأنه تآكل من الداخل , والدلائل على ذلك إستخدامه للعنف والتشهير بالمعارضين والتضييق عليهم وتهديدهم بالإعتقال والإغتيال أيضاً .
إن الأنظمة عندما تشيخ تبدو أمراضها البشعة , تظهر في عنف وإدعاء بالقوة , بينما هي في حالة ضعف وأنيميا سياسية حادة .
|
|