|
منذر عبد الحر من بغداد: هجّر آلاف الناس من بيوتهم في بغداد , لأسباب ٍِ لن نقول عنها إلا هي من إفرازات الاحتلال وويلاته والمآسي التي تركها بين أبناء الشعب المبتلى بالمحن والحاجات والأزمات التي تتجدد يوميّا ً ويعلو صراخ ضيمها يوماً بعد آخر , دون حلول جادّة , سوى الوعود والأقاويل والكلمات ذات الديباجة المثيرة الرنانة , التي تحظى بميزات خطابية كلامية بلاغية أولاها هي الابتعاد عن الواقع والإصغاء للميول والأمزجة وتحقيق مصالح الفئات والخيارات الضيّقة التي أهملت مصلحة الشعب وجرت خلف بحثها عن رضا السياسيين وهم يعبّدون طرق أحلامهم من أجل الوصول إلى غاياتهم على حساب الوطن وملايين الناس وهم يذوقون مرارة ما يحدث .
اليوم تنغزنا أزمة الطلبة المهجّرين , أولئك الذين ظلموا مرّتين – كما قالوا – الأولى عندما تركوا بيوتهم وأمنهم وأحلامهم واستقرارهم , والثانية عندما أغلقت بوجوههم أبواب مواصلة مشوارهم الدراسي والمشاركة في الامتحانات النهائيّة , لاسيّما , وهم من طلبة الصفوف المنتهية , ومشاركتهم في هذه الامتحانات تعدّ مصيريّة لا جدال فيها , فيما وزارة التربية تبرر , وتدافع عن قراراتها التي حرمت فيها هؤلاء الطلبة من المشاركة في الامتحانات , وتبريرات التربية , ودفاعاتها مهما تكن , ومهما بلغت من حجة البيان والبرهان والديباجة المتألمة , فهي تسقط أمام معاناة أبنائنا الذين سيخسرون سنة من أعمارهم المجهدة بالمعاناة والآلام والهموم , وكذلك سيخسرون الأحلام والطموحات المتأججة التي تنطوي على أمنيات الخروج من الأزمة الخانقة التي يعيشونها في بلاد الجراح والأحزان والأوجاع المزمنة , أنهم يئنون بسبب ما آل إليه مصيرهم , وبسبب ما خسروه من أيّام وليال ٍ طويلة من السهر والترقّب والانتظار وبالتالي لقرار حرمانهم من المشاركة في الامتحانات لأسباب شتّى تتعلق بوضع عائلاتهم ووضع البلاد بشكل عام .
الطالبة منار , وهي في السادس الإعدادي , الفرع العلمي , تخنقها العبرات وهي تقول : ما ذنبنا ...؟ أليس من حقّنا أن نكمل مشوارنا الدراسي , في ظل ظروف لا إنسانيّة , وأزمات , وجراح ومخاوف دائمة , ومع هذا أنا وزميلاتي مستعدات لأداء الامتحان , لكن قرارات وزارة التربيّة وضعت العصا في العجلة , ومنعت عنّا نافذة الأمل التي نترقبها وننتظرها سنة طويلة , للخروج من واقعنا المزري الذي لا يوصف .
الطالب مهند عادل قال : كنّا نتمنى من الوزارة أن تساعدنا , وأن تشد أزرنا وأن تقوّي معنوياتها , لا أن تلطمنا بقوّة بقرارها الغريب , الذي وقف مع الأقدار ضدّنا ليجعلنا نقول بحسرة أي حظ هذا الذي هجّرنا من مساكننا وأكل علينا ليالي السهر والجهد فمنعنا وحرمنا من المشاركة في الامتحانات التي استعددنا لها متحدّين كل المصاعب والظروف الأليمة ؟ .
إحدى المدرّسات قالت : القرار جائر وغير دقيق وفيه جور وظلم لطلبتنا الأعزّاء , وفي كل الأحوال فأن وزارة التربية حين تسمح للطلبة بالمشاركة في أداء الامتحانات فهي لا تمنحهم تكريما ً , بل هي فرصة للمشاركة وبذل الجهد شأنهم في ذلك شأن أقرانهم وزملائهم , لا أن يعزلوا بهذه الطريقة المحزنة ولأسباب واهية , تضاف إلى أحاسيسهم بالخيبات والخسارات المتلاحقة في عموم حياتهم , وهم الذين يذاكرون دروسهم في أحلك الأوقات وأصعب الظروف وأعقدها .
وتقول أم الطالبة نسرين عبّاس , وهي في المرحلة المنتهية , لقد عانينا كثيراً من أجل توفير الأجواء المعقولة لابنتنا كي تتجاوز هذه المرحلة الصعبة من حياتها , إلا أننا اصطدمنا بضراوة القرارات وقسوتها , فهي توقفت على درجتين أو ثلاث درجات عجزت وزارة التربية عن مراعاتها , وكأن وزارة التربية ووزيرها وموظفيها في غير بلاد ولا يعرفون معاناة أبناء جلدتهم .
ويبرر المسؤولون , وكأنهم يؤدون مسار العملية الإمتحانية بظروف مثالية , وأن الطالب يجب أن يتأهل بشكل جدي للدراسة الجامعية , متناسين أن القاعات بلا تيار كهربائي , وأن الدراسة يا ما تعطّلت لظروف مختلفة , وأن بعض المدارس خلت من أبسط الشروط المناسبة للدراسة الطبيعية , ومع هذا هم يريدون الطالب , أن يقضي ليلاً مليئا ً بالظلام والحر والكوابيس والحشرات وصور الرعب , ليأتي إلى قاعة امتحانية حارة , مظلمة , ليتحدى كل شيء , وينجح وبمعدل ٍ عال ٍ !!
معقولة ... يا وزارة التربية ؟!
|
|