|
يسري حسين من لندن: بريطانيا في فصل الصيف تخلع ملابس الشتاء القاتمة , وترتدي ألوان زاهية تعبر عن إنطلاق ومرح وحب الحياة , والترحيب بالآخرين . والعاصمة البريطانية في فصل السخونة , مختلفة تماماً وعلى النقيض من أيام الشتاء الباردة , حيث الأمطار الغزيرة والرياح الشديدة القاسية بالإضافة إلى الضباب . والبريطاني في الشتاء يغلق نوافذه , ولا يتحدث مع جيرانه خوافاً من فتح الأبواب , فيتسلل منها البرد والرياح والأمطار .
والصيف يحول البريطانيين إلى شعب مختلف , يقترب من سمات الناس في دول حوض البحر المتوسط , حيث المقاهي المفتوحة الأبواب والحركة الدائمة في الشوارع والسهر لساعة متأخرة من الليل .
الصيف في بريطانيا , شديد المتعة فدرجة الحرارة ليست مرتفعة بنسبة عالية , وإنما دائماً في منطقة معتدلة تسمح بالتجوال في المدن الساحلية مثل < برايتون > الجميلة التي تحمل سمات الإسكندرية المصرية في فصل الصيف المصري البديع على شواطئ عروس المتوسط .
وعلى الرغم أن بريطانيا لديها أكثر من مدينة ساحلية , فإن < برايتون > هي الأجمل والأنظف على الإطلاق ولديها سلسلة من الفنادق المتميزة على الشاطئ البالغ الجمال , والممتد على طول الطريق الذي يضم هذه المدينة الساحرة . وكلما ذهبت إلى < برايتون > تذكرت الإسكندرية بجمالها الأخاذ وسحرها وتنوع مظاهر الحياة فيها .
وعندما ذهبت إلى الإسكندرية للمرة الأولى , أعجبني تنوع الحياة فيها , حيث كانت الجاليات الأجنبية تركت بصماتها على شواطئها وفي أرجاء المدينة التي عاش فيها شعراء وأدباء وفنانون من أنحاء العالم .
وكنا نذهب دائماً إلى مقهى < بترو > لمحاولة رؤية عمنا الراحل نجيب محفوظ مع الكاتب الراحل أيضاً توفيق الحكيم , وكذلك العلامة المصري الذي غادر الدنيا بدوره د . حسين فوزي . وهذا الأخير قصة محيرة في موضوع الوعي والتاريخ , فقد كان يكتب في < الأهرام الأسبوعي > عن رحلات < السندباد > في الأدب والموسيقى والحياة . وشد إنتباه جيلنا كله عبر كتابه الجميل والمدهش , والذي يحمل عنوان < سندباد مصري > , حيث طاف بأحقاب التاريخ للوقوف على هوية الشخصية المصرية . كما أن حسين فوزي , كتب القصة القصيرة وله إسهامات بارزة في إنشاء جامعة الإسكندرية . وكان يعزف على آلة < الكمان > ويتحدث في البرنامج الثاني عن الموسيقى الكلاسيكية . وكان الرجل في قلب الحياة الثقافية المصرية , وعندما بدأت مسيرة التطبيع من إسرائيل إندفع بقوة في هذا الإتجاه , ولم يكن الشعب المصري مستعداً لهذا العبور , فتم إسقاط حسين فوزي من الذاكرة الثقافية المصرية . وقد لمس الكاتب إبراهيم عبد العزيز هذه الحالة في دراسة أخيرة عن الرجل في كتاب ضم أعماله الأخيرة المنشورة , قبل رحيله إلى دار الحق .
وكلما ذبت إلى < برايتون > تذكرت الإسكندرية بجمالها وحضورها ورحلة الإنقاذ الأخيرة التي تمت على يد محافظها السابق < المحجوب > الذي أعاد إلى المدينة رونقها خصوصاً بعد إفتتاح مكتبة الإسكندرية وبروزها على خارطة المدينة ذات الحضارة والعمق الإنساني . ومع تولي الدكتور إسماعيل سراج الدين قيادة هذه المنارة الحضارية والثقافية , أصبحت الإسكندرية تشع بالمعرفة والفكر والحضارة وروافد الثقافة . ووجود المايسترو شريف محي الدين على رأس النشاط الفني لهذا الكيان الحضاري , يحرك ألوان الإبداع والفنون . ومن لندن أتابع البرامج الطموحة في تنظيم المهرجانات وحفلات الموسيقى الكلاسيكية وعزف لأسماء بارزة في الوعي الإنساني , مقطوعات بديعة على شط المدينة الخلاب بمكتبتها الزاهرة بفضل وجود تلك الرموز الثقافية والفنية المحبة لمصر وللعطاء الإنساني بشكل عام .
و < برايتون > الساحلية البريطانية , لديها هذا المعنى التعددي , الذي كان للإسكندرية في الأربعينيات والخمسينيات , ويعود مرة أخرى بزخم جديد ومتطور مع حضور مؤسسة المكتبة الحضارية الإنسانية . وتتشابه المدينة الساحلية مع تاريخ الأخرى المصرية , بوجود جاليات أجنبية من الشرق والغرب معاً . وهذا التنوع يمنح البيئة الجغرافية عبقريتها , حيث يحتضن المكان أمواج التعدد الإنساني الجميل .
وقد حضرت في المدينة الساحلية البريطانية , عشرات المؤتمرات السياسية السنوية للأحزاب الفاعلة على سطح الحياة الديممقراطية , من أول حزب العمال مروراً بالمحافظين وحتى الحزب الليبرالي الديمقراطي , الذي يعد الكتلة الثالثة في الحياة البريطانية . وترتدي المدينة الساحلية خلال أيام إنعقاد المؤتمرات , الحلة الديمقراطية وتفتح أبوابها لأكبر مواسم الحوار , حيث تشتبك الأفكار في عراك كلامي مباشر . وقد إستهوتني عملية حضور هذه المناقشات الحادة بين الفرق السياسية المختلفة , حيث يعبر كل تيار عن موقفه بلا خوف أو تردد .
وقد حضرت مرة ندوة لفريق ينادي بالنظام الجمهوري في بريطانيا , وإبعاد العرش عن السلطة . وإستمعت لحماس أعضاء الفريق الجمهوري لنظام مختلف , يدعو إلى إقصاء الملكية وإنتخاب رئيساً للبلاد والتخلي عن الأسرة الحاكمة التي تتولى العرش منذ قرون .
والإتجاه الجمهوري له حضوره في بريطانيا , لكنه ضعيف للغاية ولا يعبر عن إتجاه عام . وأثناء أزمة الأسرة الحاكمة أيام الأميرة ديانا , كانت تتردد الأحاديث عن التغيير , لكن الدعوة لم تحظ مطلقاً بالتأييد الكبير بسبب شعبية العرش لدى أغلبية البريطانيين .
وأذكر إنني كنت أحضر مؤتمراً في لندن , وبعد تناول العشاء في ظل حضور سياسي متنوع , دعا رئيس الجلسة وكان يحمل لقب < اللورد > إلى الوقوف على شرف الملكة إليزابيث , ووقفت أنا المصري القادم من السيدة زينب , بينما زميلة بريطانية كانت تجلس بجواري , رفضت الوقوف . وقد تعجبت بموقفها , لكنها أعلنتها صريحة بعدم الإعتراف بالعرش أو الجالسة عليه . وتجاهلت ردها , حتى لا أتورط في تهمة الإستماع إليها وعدم التبليغ عنها ! كما تعلمنا ذلك من تراث طويل في حياتنا السياسية .
وقد علمت بعد ذلك أن هناك مجموعات سياسية لا تعترف بالعرش وتعيش في أمن وسلام . وعندما ذهبت الملكة إليزابيث إلى برلمان اسكتلندا بمناسبة الإحتفال بمرور نصف قرن على توليها العرش , إمتنعت مجموعة من النواب الاسكتلنديين عن الحضور , إحتجاجاً على الزيارة وتأكيداً لموقفهم الرافض الإعتراف بالعرش وبالرمز الجالس عليه .
ودائماً مدينة < برايتون > تفتح أبوابها لمؤتمرات الأحزاب , وحضور هذه المنتديات متعة لمن يهمه متابعة حلقات الفكر السياسي البريطاني والصراع بين الأجيال والأفكار , وكيف يتم إنتخاب الأصلح دائماً للقيادة وللزعامة في هذه البلاد المحظوظة .
وترتدي المدينة الساحلية أثواب الحياة السياسية مع بدء الخريف , وفي شهر أكتوبر - تشرين موسم الكلام السياسي . وخلال ندوات سابقة شاهدت أكبر مجموعة من الحوارات الشاملة مع أهل السياسة والفكر في بريطانيا على مائدة < برايتون > البديعة وفي فندق < غراند هوتيل > الذي يضم خلال هذه الأيام نجوم الحياة السياسية . وأذكر لقاءات بعد المحاورات السياسية في الأمسيات الليلية , مع غوردون براون رئيس الوزراء الحالي , عندما كان في المعارضة قبل إنتقاله إلى السلطة , حيث تولى حقيبة الخزانة في أول حكومة عمالية بعد صعود توني بلير رئيس الوزراء السابق إلى السلطة في عام 1997 . وإلتقيت في < برايتون > بشكل دائم خلال الأعوام السابقة السياسي البريطاني العمالي غيرالد كوفمان , مع الوزيرة السابقة كلير شورت .
وقد إهتممت بالنقابي البريطاني آرثر سكارغيل , الذي هدد حكومة تاتشر المحافظة في أعوام الثمانينيات عبر إضراب عمال المناجم . وخرجت بقناعة مهمة بأن الديمقراطية تستطيع إمتصاص غضب النقابات بالإرتكاز على المصلحة العامة , والإعتماد على الأغلبية في التصدي لموجات التطرف السياسي .
كان آرثر سكارغيل , يعتقد بقدرته على إسقاط حكومة منتخبة بإضراب عمالي منظم , لكنه لم يفهم متغيرات العصر وقوة مارغريت تاتشر آنذاك , التي لم تهتز على الإطلاق وقاومت التمرد العمالي بصبر ديمقراطي عجيب .
وقد ذهبت إلى < برايتون > عشرات المرات في فصل الصيف للوقوف على صورة التعدد البريطاني , والإنتقال من بؤس الشتاء إلى فرح الصيف . ولدى المدينة عشرات المعارض الفنية بالإضافة إلى قاعات السينما والمسرح والموسيقى . وكانت في حقبة الستينيات مظهر التمرد الشبابي في حركة الموسيقى الجديدة . ومن قلب المدينة الساحلية , جاءت عشرات الأفكار في إطار التجديد الشبابي المدهش . وعندما تسير في شوارع < برايتون > ترى دائماً لمسات وبصمات تحكي عن فرق الشباب في الموسيقى والفن , حيث تصارعت مع أفكار محافظة وأخرى متطرفة على الساحل الجميل .
وتسجل عدة أفلام ما جرى في < برايتون > من خلافات ومعارك وصدام بين فرق الفن وحركات الشباب المتطرف في < الموضة > والسياسة والأدب والفن .
ولدى المدينة هذه القلاع الجميلة التي تؤكد تأثر العمارة بالأسلوب الهندي ونهج الحياة في شبه القارة الهندية . ولدى المدينة جاليات من الهند وباكستان والصين . وقد جاء العرب أيضاً في أفواج السياحة الصيفية مع وجود لجالية تعمل هناك في مختلف أوجه الحياة وتضم جنسيات من عالمنا العربي الكبير .
وفي أول شهر أكتوبر - تشرين من كل عام تتحول < برايتون > الخريفية إلى منتدى سياسي مفتوح مع إنعقاد المؤتمرات السنوية للأحزاب . وترى في مقاهي المدينة أهل السياسة والفكر مع شخصيات إعلامية من الصحافة وشبكات التليفزيون . وهذا التجمع يسمح بالحوار الدائم في فصل تهل فيه رياح الشتاء , لكن سخونة معارك الكلام تحول < برايتون > في فصل الخريف إلى مدينة ساخنة للغاية , نتيجة للجدال والمعارك الطاحنة بين فرّق السياسة وأهل الكلام .
وقد زرت أغلب المدن الساحلية البريطانية في فصول الشتاء والصيف والربيع والخريف . وأفضل مدينة هي < برايتون > في فصل الشمس والنهار الطويل , لأنها تحملني إلى الإسكندرية المصرية بكل جمالها الفريد , الذي لا مثيل له في العالم كله .
وحب < الإسكندرية > جعلني أتعرف على < برايتون > والسير في طرقاتها الجميلة والشوارع الخلفية , التي تمتلئ بالمحال والمقاهي والمطاعم التي تقدم مختلف أصناف الأطباق من الهند حتى اليونان والوصول إلى المطبخ اللبناني .
وأجمل ما في < برايتون > فندقها الجميل المطل على البحر < الغراند هوتيل > وقد تعرض لإنفجار صاخب في بداية الثمانينيات , عندما حاول الجيش الأيرلندي الجمهوري , تدميره لقتل مارغريت تاتشر عندما كانت ترأس الحكومة في تلك الحقبة . وخرجت المرأة الحديدية سالمة من محاولة إغتيالها , لتقول أن الديمقراطية لا يمكن أن تركع للإرهاب مهما كانت قوته . وظلت هذه الكلمة في الذاكرة دائماً تعبر عن معادلة صحيحة للغاية , فالديمقراطية السليمة قادرة على سحق إرهاب مسلح يملك القنابل والمتفجرات .
وعاد < الغراند هوتيل > إلى جماله القديم , ويقف دلالة على صحة قول تاتشر .
إن الصيف البريطاني بديع , ويحرر الشخصية البريطانية من تعقيدات الشتاء وهواجس الخوف من البرد والمطر . وبريطانيا الصيفية بديعة في هذا التحرر الجميل من قيود الشتاء الديكتاتورية , التي تجعل الحياة باهتة ومقبضة أيضاً .
|
|