|
منذر عبد الحر: الهجرة نحو الأمس , الكتاب الجديد لعبد الستار ناصر , والذي صدر هذا العام بطبعته الثالثة , جاء تحت تجنيس فني محيّر وهو ( رواية كولاج ) , سيرة أدبيّة , والقارئ للكتاب الممتع الجميل , لا يجد فيه هذا التجنيس , فهو ليس رواية , لأنه لا ينتمي لعالم السرد الروائي , ولا يعنى بالمسار الحكائي المتسلسل , كما أنه مجتزآت من سيرة الكاتب الأدبيّة الشخصيّة وآرائه المبثوثة بشكل خلاصات قرائيّة تنطلق من أفكار وقناعات ورؤى متنوعة , إضافة إلى رصد أحداث وشخوص , هم معروفون بشكل جيّد لدى القارئ العراقي , كما يضمّ الكتاب شهاداتٍ خاصّة في الكتابة ومعاناتها وأجوائها , وموقع الأديب العربي بشكل عام , والكيفيّة التي يتعامل فيها مع وسطه الأدبي , والاجتماعي أيضا ً , كما تحدّث الكتاب عن مقتطفات من الذكرى في حياة الكاتب , وهو يقدّم أنموذجه الحر في إصداره الأدبي الجديد , الذي يجرّ القارئ من يده , بسبب المتعة والبساطة العميقة والحرفيّة العالية في رصد الحدث , وصناعة نصّه .
يقول الكاتب في مقدمة كتابه ( هذا الكتاب خارج التجنيس , لم أعثر على صفة تناسبه , ولأم أجد من كتاب عربي يعتمد الكولاج كما هو الحال مع اللوحة أو المنحوتة , لا أدري إن كان كتابي هذا أقرب إلى روح السيرة منه إلى جسد الرواية , لكنه يقترب منهما على استحياء , فهو مزيج من مذكرات مكتوبة وذكريات ما تزال وراء قحف الجمجمة , إلى جانب الذاكرة التي ساعدتني على تأليفه , مع أنني أقول : هي فكرة خطفت مثل نيزك ذات ليل , أن أجمع بعض النصوص وأربطها بما جرى في حياتي , زائداً ما أملكه من معلومات عن أدباء العراق وما حلّ بهم من هجرة وموت وشتات وأسرار .)
نلاحظ , أن عبد الستار ناصر , أشار في مقدمته إلى فكرة الكولاج , وقارئ كتابه لا يرى كولاجاً , لأن فكرة الكولاج تنطلق من مزج قطع متنوعة , لا رابط بينها سوى الشكل العام المقترح , وهذا الشكل حين يغدو مبنيّاً على فكرة الكولاج , فأنه يضمّ ,قطعا ً و أطرافاً مقتطعة من أجساد مختلفة , وحالات ٍ مجتزأة من ظواهر متنوعة , الأمر الذي يحيلها إلى مقطّعات ٍ ينتمي كل منها إلى رؤية معينة منفصلة بذاتها عن الأخريات , لتجد في المتلقي تفسيراتها وتأويلاتها , وبالتالي الانفعال الإنساني المرافق لهذه العمليّة الإبداعية المركبة , وإذا كان عبد الستار ناصر , قد قصد وهو يسمّي كتابه كولاجا ً , أنه جمع مقاطع كتابه من مقالات , وشهادات , وسرد سيرة , هي منفصلة في طبيعتها , ليضمها شكل كتابه المقترح – ككتاب - , فهو قد ابتعد في تسميته عن طبيعة الشكل الفني لكتابه , كعمل أدبي تتوحد فصوله في نمط واحد , أو نسق فنيّ متجانس , وهو على أيّة حال ليس كولاجاً , لأنه من منجز الكاتب , ومخزونه الفكري والثقافي , وحيث بدأ الكتاب بفصوله الأولى سرديّا , يرصد شخصيّات قلقة , في تأريخ الأدب العراقي , وهذه الشخصيّات الفاعلة , التي تحظى بحضور قويّ في الوسط الثقافي العراقي , ظلّت بعيدة عن الأضواء , رغم أنها في داخل هالة الضوء بأعلى درجات سطوعها , لاسيّما الكتّاب الرائعين الراحل سامي محمد والمحروسين بعناية الله وحفظه رياض قاسم وسهيل سامي نادر , حيث يتحدّث عنهم الكاتب بحميميّة وإعجاب يستحقونه , نقول , بدأ الكتاب بإشارات ذكيّة متسلسلة لمّاحة , ممتعة في استحضار الشخصّيات, التي يدخلها الكاتب في صميم أجوائه بسلاسة وحرفيّة سردية عالية إلى موقع حدثه الواقعي المعالج بفنيّة رصينة , وعلاقته بهم , وعلاقتهم بالوسط الثقافي الذي يستدعيه الكاتب , وكنت ُ أتوقّع -0 وأظن جميع قرّاء هذا الكتاب الجميل –أن يستمر الكاتب في هذه المتوالية المبتكرة العذبة , إلا أنه بدأ بفصوله الأخرى ميّالاً للأفكار والهاجس النقدي , وإطلاق مرتكزات تجربته الأدبيّة , وقراءته المثقفة الواعيّة لعمليّة الإبداع العربي بشكل عام ,. والإبداع العراقي بشكل خاص , و مقارنته مع الأدب العالمي ورموزه وتجاربه الأكثر فاعليّة وجديّة وفائدة لأسباب كثيرة يوضحها الكاتب , وهو يستند على تجربته الشخصيّة .
ثم يعود بفصليه الأخيرين لذات النسق الذي بدأ فيه , حيث يقدّم قائمة ملتاعة بأسماء الأدباء الراحلين والتعريفات المقابلة لأسباب رحيلهم , عبر جمل قصيرة معبّرة عميقة دالة على جوهر المأساة التي يعيشها الأديب العراقي تحديداًَ .
وجدير بالإشارة أن عبد الستار ناصر أشار في مقدمته , وهو يشدّ فصول كتابه بخيط فنيّ غريب , كي يجعل منه لحمة واحدة , وعملاً منفصلا ً, إلى اختياره اسماً بديلاً دالاً فيه على شخصه إذ يقول : شيء واحد فعلته مرغما ً , هو اسمي الذي تغيّر وصار عمّار حوّاس البدري لئلا يتكرر عبد الستار ناصر بين السطور , فيزعجكم . , وأنا أسأل هنا : هل كان ذلك مهماً على الصعيد الفني للكتاب ؟ , وعلى العموم هي لعبة فنية دعم فيها القاص والروائي المتجدد عبد الستار ناصر , الإطار العام لعمله الكتابي , الذي حمل عنوان الهجرة نحو الأمس , وبدل أن يكون – رواية كولاج , أو سيرة أدبية – كان في رأيي أن يكون مقتطفات مما جرى في حياتي وأدبي , وبلا تجنيس مباشر , فهو ليس سيرة أدبية مما متعارف عليه , كما أنه اصطياد منتخب لشخوص وأحداث بلا تسلسل زمني , يعني أن الكتاب يتنقل في زمنه من فترة إلى فترة أخرى دون إشارات أو دلائل تستند على فعل زمني متواصل .
وللحقيقة أقول أن كتاب ( الهجرة إلى الأمس ) هو من الكتب الإبداعيّة المهمة والمفيدة والمبدعة , سواء في السيرة الذاتية , أم في الأفكار والرؤى التي قدمها بلغته الرقيقة الموحية , الكاتب الكبير عبد الستار ناصر .
|
|