* ترجمة: جاسم الولائي: العجوز موازينا كانت راوية الأحاديث لصوفيّا وماريّا عن سرّ النار.
كلّ لهب يحمل سرّاً ما. إذا جلس المرء على بُعد مسافة صحيحة من اللُهُب، يستطيع النظر عميقاً داخل الشُعل المتراقصة، ليعرف ما الذي سوف يحدث في حياته مستقبلاً، خلال كلّ أيامه الممتدّة على درب حياته التي لم يعشها بعد. كانت موازينا تشير بيدها المتغضّنة المرتجفة نحو أحد الحقول البعيدة، هناك تقف الأشجار متراصّةً صفّاً واحداً.
- هكذا تبدو الحياة، "قالت موازينا". كلّ يوم هو شجرة، شجرة كالتي ستزرعانها وتقومان بإروائها والعناية بها وإزالة الحشائش الضارة من حولها، ثم تقطفان ثمارها بعد ذلك. كلّ نبتة هي يوم من حياتكما التي لم تعيشاها بعد.
في النار أيضاً توجد كلّ الحواس والذكريات.
حتى هذا قد قالته موازينا للشقيقتين صوفيّا وماريّا حين كانتا ما تزالان صغيرتين جدّاً. من خلال النظر عميقاً في النار، يمكن للمرء استعادة الذكريات التي يعتقد أنّه ربما فقدها نهائياً.
غالباً ما فكرت صوفيا بموازينا. لكنّ موازينا لم تعد موجودة، كذلك هي حال ماريّا. حين فكّرت صوفيّا بموازينا عادت بأفكارها إلى ذلك الزمن. وقتها لم يكونوا قد اجبروا على الرحيل. كانت تلك الرحلة طويلة وشاقّة، قبل أن يحطّوا الرحال ليقيموا عند النهر. لقد كان زمناً طيباً، لم تعرف حينها ما هو معنى الألم. ولم تكن قد عانت من الحزن او الجوع، أو مما هو أسوأ وأكثر مرارة من كلّ ذلك : الغربة.
تلك الفترة كانوا قد عاشوا هناك كما كانوا دائماً يعيشون. ما تتذكّره صوفيّا أكثر من أيّ شيء آخر هي القرية، هناك السقائف كلّها كانت مدوّرة، سقوفها مضفورة بمهارة من سعف النخيل. هناك وُلدت، مثل ماريّا وألفريدو. وكان والدها هاباكاتاندا قد رفعها مرة بيديه عالياّ باتجاه السماء، وتركها تلقي التحيّة على الشمس. وضعوها في قطعة من القماش ربطت إلى ظهر أمّها ليديا التي كانت الأجمل والأقوى بين نساء القرية كلّها. كانت صوفيّا تجلس ثابتة على ظهرها حين كانت الأم تنحني وتعزق الأرض الجافّة. كانت تسمع موسيقى تنطلق من داخلها حين تتذكر تلك الأيام، ضربات الطبول وتلك الأغنية الرتيبة الآتية من آلة التمبيلا. مازالت صوفيا تحتفظ في جسدها بصدى الحركة المتأرجحة لأمّها حين كانت ترقص مع بقيّة نساء القرية. لا تتذكّر أنّها جاعت مرّة في تلك الأيّام، أو أنها خافت. لقد كان زمناً سعيداً.
عن ذلك أيضاً كانت موازينا قد تحدّثت.
لقد تحدّثت عن الجنّة. وكانت قد قالت إنّ :
"السعادة توجد فقط هناك حيث ندرك أنّنا كنّا، وقت أن نكون قد خسرناها".
هذا ما قد حدث بعد ذلك، هذا هو ما حاولت دائماً نسيانه. لكنّ الذكرى أصبحت مثل ندبة في البشرة لايمكن أن تختفي نهائياً.
كانت ليلة.
لا قمر فيها، ولا نجوم.
فجأة تحطّمت حياتها كلّها، وهج أبيض حاد ملأ السقيفة. بعدها دوّت سلسلة انفجارات مرعبة. هذا أكثر ما كانت تريد نسيانه وانتزاعه من ذاكرتها. لقد شاهدت الوجوه المتشنّجة لأولئك الناس. تحت ضوء الحرائق. كانوا بشراً لكنّهم يشبهون الوحوش الضارية. لقد فهمت على الفور أنّهم جاءوأ ليقتلوها ويفتكوا بكلّ من في القرية.
لقد كانوا قطّاع طريق.
تسللوا إلى القرية تحت ستارة الليل. أشعلوا النيران في السقائف، وقتلوا الناس. في مكان ما من فوضى الحرائق وصخب أعمال القتل، بين الصراخ والأجساد الدامية، حاول والدها هاباكاتاندا أن يُخبئها وشقيقتها ماريّا عن أعين القتلة، لكنّه سرعان ما فوجيء بطعنة مدية كبيرة، أو ربما كانت ضربة فأس كوّمته فوقهما.
لقد صارت هي وشقيقتها تحت جسده.
بعد ذلك عمّ السكون والهدوء. حينها فهم اللصوص أنّه سكون الموت، لكن والدها كان قد استطاع في موته تحقيق ما كان يريده : حمايتها وماريّا من السكاكين والفؤوس والبنادق.
في الصباح حين عادت الشمس للشروق، تجرّأت الصغيرتان على التقدّم زاحفتين. أبوهما كان مقتولاً، لقد بكتاه طويلاً ولكن بصمت. موازينا قُتلت أيضاً، كانت تستلقي منكفئة فوق النار المتلاشية. لكنّ ليديا لم تكن موجودة هناك، ولا الصغير ألفريدو. لم تتجرّأ لا صوفيّا ولا ماريّا على الصراخ، كانتا تبكيان بلا صوت أثناء انسلالهما زاحفتين إلى خارج السقيفة. إجتازتا القرية، كان الناس يستلقون ميّتين في كلّ مكان في القرية. كلّ هؤلاء تعرفهم الفتاتان، كانوا من الأقارب، أناس لعبتا وإياهم، إشتغلتا معهم، ضحكتا معهم. الوحوش الذين جاءوا خلال الليل جلبوا معهم سكون الموت، حوّلوا القرية إلى مقبرة. في كلّ مكان كان الميّتون يستلقون متشنّجين من آخر رعب مسح ملامحهم وحطّ عليها. لقد قتلوا كلاب القرية أيضاً. العديد منهم مزّقت أيديهم وأرجلهم، وأحد القتلى قطعوا رأسه. إجتازت الصغيرتان القرية القتيلة خلال سكون الموت، حتى وصلتا آخر السقائف المحروقة. فكرت صوفيّا في أنّ ليديا ينبغي أن تكون في مكان ما مع ألفريدو. لا يمكن أن يكون الجميع قد قتلوا، لا يمكن أن تكون وماريّا وحيدتين.
ما قالته موازينا عن الوحدة مريع :
"أكبر كارثة تصيب إنساناً، هي أن يصبح هذا الأنسان هو الأخير على هذه الأرض".
لا أريد أن أكون هذا الأنسان الأخير، فكّرت صوفيا خلف بكائها الصامت. إذا حدث أمر ما لماريّا أيضاً، سأبقى وحيدة هنا.
وُجدت الأمّ في أطراف القرية. كانت مختفية وألفريدو في أيكة كثيفة ملتفّة حيث وجدتهما هي وماريّا. لقد نجا ألفريدو أيضاً. كذلك اثنتان أخريان من نساء القرية وثلاثة أطفال. لم تستطع صوفيّا وماريّا أنّ تصرخا معلنتين فرحهما، من الممكن أن يكون قطاع الطريق على مقربة من المكان فيسمعونهما. زحفت الفتاتان حذاء بعضهما البعض باتجاه الأيكة واستلقتا هناك طيلة النهار، دون ماء، دون طعام. إنتظرتا حتى يعود الليل من جديد.
وبدأت الهجرة.
في الليلة الأولى تمشّت الفتاتان خلال الأيكات الشائكة قدر استطاعتهما، بعد ذلك تشجّعتا على التنقّل أثناء النهار. لأنّهما لم تكونا تعرفان إلى أيّ اتجاه تتحرّكان لتصلا الطريق. سارتا في خطّ مستقيم فقط في تلك المقاطعة الجافّة، بعيداً نحو ذلك الجبل الشاهق الوامض عند الأفق. تذكّرت صوفيّا أنّها جائعة، لكنّ معاناتها من العطش كانت أقسى.
في اليوم الثالث لم تتفق لديا مع بقيّة النساء على الإتجاه الذي سوف تسلكنه، فانفصلن عن بعضهن. ليديا وصوفيّا وماريّا ومعهم ألفريدو سلكوا الطريق البعيدة المؤدية إلى الجبل. في حين أخذت النساء الأخريات طريقاً واتجاهاً آخرين.
سار الأربعة في طريقهم دون أن يحيدوا عنه.
في مكان ما في الطريق قابلوا امرأة عجوزاً. كانت في غاية الفقر، ثيابها خرق ممزّقة. والساقان نحيفتان مثخنتان بالقروح. فكّرت صوفيّا، إنّ هذه العجوز تشبه موازينا. وقفت العجوز بشكل مفاجيء أمام الأسرة. حين بادلتها ليديا الحديث تفاهمتا، فهما تتحدّثان لغة واحدة. قصّت ليديا عليها ماحدث.
- كانوا قطّاع طريق، "قالت". قدموا في الليل وقتلوا زوجي.
- ومن قتلوا أيضاً؟ "سألت المرأة العجوز". قطّاع الطريق وحوش لا يكتفون بقتل شخص واحد. إنّهم يقتلون العدد الذي يستطيعون قتله.
- لقد قتلوا كلّ من في القرية، "أجابت ليديا".
- والكلاب، "قالت صوفيّا". لقد قتلوا كلّ كلاب القرية أيضاً.
بدأت العجوز تنود برأسها ثمّ أخذت تتمايل وتتأرجح. دفعت برأسها إلى الخلف، وأطلقت صرخة مدوّية. كذلك فعلت ليديا وصوفيّا وماريّا وألفريدو. تمايلت أجسادهم وصرخوا مستجيبين لأرواحهم الممزّقة، ولما فجّرته فيها العجوز من أحزان.
الآن فقط يتجرأون على التفجع وإطلاق العنان للصراخ والبكاء. يُخرجون حزنهم وعذابهم، ليصعق أسماع الأخرين.
بعد فترة وجيزة كان الجميع في طريقهم باتجاه الجبل، ومعهم المرأة العجوز، التي اقتسمت معهم لحم طير ميت. داخل أخدود لنهر كان على وشك الجفاف، وجدوا ماءً للشرب.
في الليالي كانوا جميعاً ينامون عند النار تحت شجرة (باوْباد) قويّة. في إحدى المرّات أيقظت صوفيّا ماريّا لأنّها سمعت زئيراً لأسد في العتمة.
لم تعلن العجوز عن اسمها مطلقاً، لكنّ في ابتسامتها لمحة من الودّ والصداقة، كانت تبدو واضحةً، رغم خلوِّ فمها تماماً من الأسنان.
في أحلام صوفيّا، يعود اللصوص المتوحّشون، وحين يُعيد أحدهم مشهد إنزال البلطة على رأس أبيها، تستيقظ مرعوبة. ليديا كانت تتكوّر على ألفريدو محتضنةً اياه وتنام. العجوز تنام بهدوء قرب النار التي تحوّلت إلى جمر خابٍٍٍٍٍٍٍِِِِ. ماريّا تنام على الجانب الأخر من صوفيّا. فكرت صوفيّا وهي تتأمّل العجوز النائمة، ربما عادت موازينا إلى الحياة مجدداً، وحلّت في هذه العجوز التي لم تُفصح إطلاقاً عن اسمها.
إستمرت في ذلك الفجر المبكّر مسيرة المجموعة في اتجاه الجبل، الذي كانت المسافة بينهم وبينه تبدو ثابتة لا تتغيّر. فجأة تصورّت صوفيّا أنّها سمعت ليديا تسأل العجوز مجهولة الإسم عن المدينة.
- لم أكنْ هناك في يوم من الأيام، "أجابت العجوز".
- هل المسافة طويلة إلى هناك ؟ "سألت ليديا".
- المدينة تقع بعيداً جدّاً. بحيث لا يتمكن أمثالي وأمثالك وأمثال أطفالك من الوصول اليها. ساقاي ضعيفتان مقرّحتان. أطفالك مازالوا صغاراً وسيقانهم قصيرة وأقدامهم صغيرة. لا أحد منهم يملك ساقين يمكن أن توصلاه إلى المدينة.
توقّفت ليديا عن السؤال. الحرارة كانت لا تطاق. حاول الجميع حماية أنفسهم من حرارة الشمس، من خلال لفّ أجزاء من الكابولانات حول الرؤوس. في مطرة بلاستيكيّة قذرة كانت العجوز تحتفظ ببعض الماء. لكنّهم بعد مسيرة طويلة حتى فترة ما بعد الظهر، لم يلمحوا في الأفق البعيد أثراً لأشجار أو أيكة، تدلّ على وجود الماء في مكان قريب.
تماماً عند ساعة الغسق القصيرة تلك، توقّفت المرأة العجوز بشكل مفاجيء. جلست مجهدة على الأرض الجافّة.
- لقد وصلت الآن، "قالت ذلك بعد فترة صمت". لقد أنهيت رحلتي.
طلبت ليديا من صوفيّا وماريّا أن تجمعا بعض الحطب والقشّ بغية إشعال النار.
- لا توجد هنا أشجار، "قالت صوفيّا". أين سننام؟
- إفعلي ما طلبت، أجابت الأمّ بصوت متعب. سنقضي ليلتنا هنا في هذا المكان.
أرادت صوفيّا أن تسال من جديد. مَنْ سيحميهم من الحيوانات المفترسة؟ ما الذي سيحدث إذا انطفأت النار وليس هناك حطب كاف لتغذيتها؟ لكنّها لم تتجرأ على توجيه مزيد من الأسئلة. سمعت في صوت أمّها المتعب حازماً يقول إنّها لا تملك أيّ جواب الآن.
سويّة التقطت صوفيّا وماريّا ومعهما ألفريدو بعض الأعشاب الجافّة وبعض العيدان. احتفظت صوفيّا بنفسها كلّ الوقت قريباً من ألفريدو. ربما توجد أفاع هنا ، وهو مازال صغيراً لا يعرف كيف يحمي نفسه حين يحتاج إلى الحماية.
أشعلوا النار. لاحظت صوفيّا أنّ العجوز تجلس ساكنةً وعيناها مفتوحتان.
- هل ستأكل شيئاً؟ "سألت صوفيّا حين بدأوا يأكلون ما تبقى من اللحم الجاف". - أنّها ليست جائعة، أجابت "ليديا".
- ألا تنام؟ "سألت صوفيّا بصوت خفيض حين اقتربوا من النار".
- ستنام فيما بعد. "أجابت ليديا وأضافت":
- لاتسألي أكثر. نامي.
في الفجر، حين استيقظت صوفيّا، رأت أنّ العجوز مازالت على وضعها، تجلس ساكنة وعيناها مفتوحتان، تماماً كما كانت بالأمس. فهمت صوفيّا أنّ العجوز قد ماتت بدورها.
لمست صوفيّا ليديا التي استيقظت مباشرة.
- إنّها ميتة، "قالت صوفيّا".
نهضت ليديا وتقدمت باتجاه العجوز. حدّقت فيها دون أن تقول شيئاً. ثمّ أيقظت ماريّا وألفريدو وقالت لصوفيّا أن تجلب معها مطرة العجوز البلاستيكيّة.
بعد أن اجتازوا مسافة طويلة في مسيرهم، إستدارت صوفيّا لتنظر حيث ماتت العجوز. لمحت ما يشبه الظلّ البعيد عند تلك العجوز التي ربّما تحوّلت إلى جذر من تلك الجذور الملتوية للأشجار الميتة، التي تنام ملقاة بعيداً، في تلك الأرض الحمراء اليابسة.
لدى صوفيّا الكثير من الأسئلة. فقد تساءلت لماذا تُجبر على العيش في عالم من القتلى فقط.
فقط لو أبلغ ذلك الجبل السامق. فكّرت صوفيّا. بعيداً هناك يوجد الناس الأحياء.
ساروا طويلاً، لأيام عديدة. بعدها فكرت صوفيّا، أنّ ما مرّ وما كانت تمرّ به هو بمثابة حلم وليس حقيقة. ربما كان الأمر هكذا، أن يسافر المرء في حلمه، ربّما؟ ربّما يتسلق المرء جبلاً ويخوض في جدول نصف ناشف دون أن يصحو من نومه.
لكن حين كانت تعود الليالي بعد نهارات مرهقة تتلوّى وجوه اللصوص من جديد. كان ينحنون فوقها بوحشيّة فتستيقظ جافلةً مصعوقة. حينها يبتعد اللصوص جانباً، لكنّهم كانوا يبقون كلّ الوقت قريباً منها يتربّصون بها. كانت تعرف ذلك. كانوا يرونها دون أن تتمكّن هي من رؤيتهم.
قطعوا في مسيرتهم مسافات أبعد خلال أيام عديدة وطويلة.
سألت صوفيّا ليديا:
- أين يصل طريقنا، واين ينتهي؟
- بعيداً. أجابت الأم. بعيداً عن أولئك الذين قتلوا هاباكاتاندا وأخوتك.
فكّرت صوفيّا إنْ كان ما أسمته ليديا (بعيداً)، هو مكان محدد، ربما هو قرية تنتظرهم في مكان ما. لكنّها فكّرت أيضاً واستطاعت أن تصل إلى قناعة : هي لم تعد طفلة تُحمل في صرّة على ظهر أمّها. (بعيداً) تعني بعيداً، وليس ثمّة مكان.
في يوم شاهدت صوفيّا البحر لأول مرّة.
كانوا قد صعدوا أحد التلال في عصر ذلك اليوم وكانت قدما صوفيّا متورّمتين متقرحتين.
هناك شاهدت البحر أول مرّة، نهر بلا شاطيء في جانبه الآخر. مياه زرقاء لامعة، لا يمكن أن يعتليها جسر.
رغم أنّ صوفيّا لم ترَ البحر مطلقاً قبل ذلك، لكنّ إحساساً ملأها فجأة أنّ البحر بيتها. بدا ذلك وكأنّ هناك شيئاً ما تألفه على الرغم من أنّه شيء مجهول. ربما كان ذلك لأنّها اكتشفت الآن أحد الأسرار التي سبق لموازينا أن تحدّثت عنها، أحد أسرار النار. ربما كان لكلّ الناس الذين يغادرون بيوتهم بعيداً عن اللصوص وقطّاع الطريق مملكتهم التي تنتظرهم. يرتبط ذلك في أن لا يبقى المرء جالساً دون أن يبادر ويفعل شيئاً، ليس كما فعلت تلك العجوز جلست ساكنة وانتظرت رحلتها الأخيرة. على المرء أن يحاول، وما أن يصل إلى آخر قطرة من قواه حتى يجد نفسه أمام بيته الذي لا يعرف أنه له.
استمروا في مسيرتهم حتى بلغوا الشاطيء. الرمال كانت مختلفة، بدت أكثر طراوة ونعومة تحت أقدامهم. غطست ليديا في الظلّ تحت شجرة عند حافّة الشاطيء. هرولت صوفيّا وماريّا معاً باتجاه الماء. كان مالحاً حين تذوقتاه. خاضتا في المياه حتى سمعتا نداء ليديا تدعوهما أن تكونا حذرتين.
بعد ذلك تساءلت صوفيّا إن كانوا سيستمرّون بعد الآن في سيرهم؟
هزّت الأم رأسها:
- كيف سنستطيع العيش هنا؟ "تساءلت أيضاً". كيف يمكن أن نجعل شيئاً ينبت في هذه الرمال؟ كيف سنزرع في البحر؟ علينا أن نواصل السير.
لن تنسى صوفيّا البحر مطلقاً. بعد مسير يوم كامل على مغادرتهم البحر، كانت صوفيّا غالباً ما تستدير وتتطلّع إلى المياه اللا نهائية الوامضة.
مضى وقت طويل، حتى وصلوا قرية يسكنها بعض أناس تربطهم بالأب هاباكاتاندا قرابة بعيدة. من زعيم القرية وهو عجوز نصف أعمى حصلوا على السماح في البقاء والإقامة هناك. قاموا ببناء سقيفة صغيرة من القشّ وعجينة التراب في طرف من القرية. في الصباح كانت ليديا وصوفيّا وماريّا يذهبن مع بقيّة النساء ليعملن خارجاً في الحقول. لم يستمر الحال هادئاً، فقد جاء أحدهم راكضاً، لينقل خبراً عن تعرّض إحدى القرى المجاورة إلى هجوم قطّاع الطريق في الليلة الماضية. في ذات اليوم وبعد الظهر غادر جميع السكان قريتهم وأخذوا معهم ماعزهم فقط معهم. أكثر من شهر إختبأ سكان القرية، كانوا في رعب دائم من أن يكتشفهم اللصوص ويفتكون بهم. لم يأخذوا معهم شيئاً يأكلونه تقريباً وعاشوا على التهام الجذور والسحالي والجرذان التي استطاعوا اقتناصها.
في تلك الفترة مرض ألفريدو بشدّة. توقّعت صوفيّا أن يموت هو أيضاً. حين يرتجف طفل بسبب البرد رغم حرارة الشمس المرتفعة، تعرف أنّ الموت نفخ زفيره في منخريه، لكنّ ألفريدو شفي تماماً. حين قرر سكان القرية العودة إلى قريتهم الأولى، قالت ليديا: إنهم سيكونون برفقة أهل القرية حيث يرحلون. وبهذا القرار إستأنفوا مسيرة جديدة شاقة.
- إلى أين نحن ذاهبون؟ "سالت صوفيّا".
- إلى مكان يخلو من المجرمين.
- أين ذلك المكان؟
- لا اعرف. ولا تسألي أكثر.
كلّ ذلك الوقت، كانت صوفيّا خائفة أن تفعل امّها ما فعلته المرأة العجوز. تجلس على الأرض ثمّ تتصلّب وتتحوّل إلى جذر يابس لشجرة، وقتها ستكون صوفيّا وحيدةً مع ماريّا وألفريدو ولن تعرف كيف وأين ستجد سكناً ومقاماً لهم. كلّ ليلة حين يخيّمون، إعتادت صوفيّا التطلّع خفيةً إلى أمّها هل ستجلس هكذا وتتصلّب؟
فكّرت صوفيّا أنّها مطوّقة بالخوف. قطاع الطريق كانوا موجودين خلفها وأمامها. أن لا تجلس ليديا في إحدى الظهائر وتتصلّب، يعني فقط أنّ تكون صوفيّا خائفة من أنّ ذلك سيحدث بدل اليوم في النهار التالي.
لكنّ ذلك لم يحدث إطلاقاً.
وفي أحد الأيام انتهوا من مسيرة شاقّة.
وصلوا إلى قرية يسكنها أناس هاربون من قطّاع الطريق يتحدّثون لغات متنوّعةً. أحد الرجال البيض وكان قسّاً نظر إليهم بوجه حزين. بمساعدة أحد الرجال الذين يتحدّثون نفس لغتها إستطاعت ليديا أن توضح من أية قرية قدموا. تحدّثت عن تلك الليلة التي هاجمهم فيها قطّاع الطريق لينهبوا ويحرقوا ويقتلوا.
- والكلاب أيضاً، "قالت صوفيّا". لقد قتلوا كلابنا أيضاً.
للمرّة الثانية قاموا ببناء سقيفة من قشّ وطين فوق منحدر. هناك في الأسفل نهر يتلوّى. في الليلة الأولى التي استطاعوا فيها أن يناموا تحت سقف. إستلقت صوفيّا وأخذت تنظر نحو الخارج في العتمة. لاحظت أنّ ماريّا التي تتمدد إلى جانبها لم تنم مطلقاً.
- هنا سنقيم، "همست صوفيّا".
- لماذا لا يصل اللصوص إلى هنا؟ "سألت ماريّا".
- ربما لأنّهم لن يجدوا هذا المكان، "أجابت صوفيّا". فكّري في الأيام الكثيرة والطويلة التي أمضيناها في سيرنا. تورّمت أقدامنا وامتلأت قروحاً.
- ربما يملك قطّاع الطريق أحذية، قالت "ماريّا".
- لا أعتقد أن الغيلان تمتلك أحذية، "قالت صوفيّا". سنقيم هنا، لن يحدث شيء.
زحف ماريّا بجسدها باتجاه صوفيّا. أحسّت صوفيّا بدفقة من السخونة تنبعث من جسد ماريّا. كيف انحشرت كلّ هذه الحرارة في جسد ماريّا؟
كيف سنعيش؟ فكّرت صوفيّا. لن أستطيع رؤية والدي هاباكاتاندا مرّة أخرى. ولا أولئك الذين كانوا أصدقائي، عائلتي. ولا حتى الكلاب، لن أراها مرّة أخرى.
فجأة وجدت نفسها تبكي. بدت كأنّها لأول مرّة تتجرأ على الشعر بكلّ هذا الكم من الحزن الذي تحمله في داخلها. لو أنّ كلّ هذا الحزن يُوضع في سلّة تحملها على رأسها، لوقعت حتماً هي والسلّة معاً. هي صغيرة جدّاً على حمل مثل هذه السلّة الثقيلة.
بعدها اكتشفت أنّها مجبرة على فعل ذلك. ستكون هناك دائماً سلّة أحزان ثقيلة طيلة حياتها.
غفت صوفيّا في النهاية، وحلمت بموازينا وبأسرار النار.
- لقد وصلنا، همست لموازينا في الحلم. لقد وصلنا وما زلنا نعيش. ورأيت البحر.
في اليوم التالي إستيقظت صوفيّا مبكّرة جدّاً. لكنّ ليديا كانت مستيقظة قبلها بالطبع. حين أصبحت صوفيّا خارج السقيفة وكانت تفرك عينيها لتطرد النعاس، كانت ليديا تجلس القرفصاء أرضاً لتشعل النار. ألقت نظرة مشرقة إلى صوفيّا وابتسمت. فكّرت صوفيّا أنّها لم ترَ ليديا مبتسمة منذ زمن بعيد. ملأها ذلك بفيض من السعادة. لقد عرفت الآن أنّ الرحلة الطويلة قد انتهت. لقد وصلوا أخيرا.
وسيبدأون حياتهم من جديد.