|
يسري حسين من لندن: يضع متحف البورتريه غاليري في أهم قاعاته صورة زيتية للنقابي البريطاني الشهير آرثر سكارغيل , الذي قاد إضراب عمال المناجم في بداية الثمانينيات , وكان هدفه إسقاط حكومة مارغريت تاشتر والإطاحة بها من السلطة , عقاباً على سياساتها الرأسمالية المتطرفة وسعيها إلى غلق بعض مناجم الفحم وتشريد عمالها .
كانت < تاتشر > تقود حملة التخصيص بلا رحمة وأعلن < سكارغيل > الذي كان يُلقب بـ < الملك الأحمر > تصديه بعنف مضاد لإجهاض هذه السياسة , خلال تنظيم اعتصام وإضراب عن العمل ودعوة النقابات الأخرى لتأييده . والمعركة إستمرت لأكثر من عام , لكن في النهاية إنتصرت المرأة الحديدية , لأن المجتمع تغير ورأسماليتها كانت تلبي طموحات طبقات إجتماعية صاعدة . وظهر الزعيم النقابي كأنه يعادي التغيير ويتمسك بالماضي عبر نهج التأميمات وإستخدام قوى الإحتجاج العمالية والنقابية لمساندة موقفه .
كان هدف < سكارغيل > الصريح إسقاط < تاتشر > الظالمة والمتجبرة , غير أن نقابات أخرى لم تقف معه , واقتصر إضراب عمال المناجم عليهم بمفردهم , مما أضعف فرص نجاحهم على الرغم من الصمود والإصرار لمدة عام كامل .
إنتصرت < تاتشر > وإنهزم < سكارغيل > غير أن المجتمع أتاح للأخير الإحتجاج والإضراب والتظاهر , وفتحت الصحف أبوابها لشرح وجهة نظره مع إهتمام قنوات تليفزيونية لتصريحاته ومعاركه والحملة التي كان يقودها آنذاك لإسقاط المرأة التي كان يصفها بـ < الشريرة > .
كانت معركة ضارية بين < الشريرة > و < الملك الأحمر > سكارغيل , غير أن الأولى إنتصرت واعترف النقابي بالهزيمة , لكنه صمم على البقاء في ساحة الشغب السياسي وأعلن تشكيل حزبه < الإشتراكي > , ودعا مثقفين ونقابيين لحضور تدشين هذا التجمع الجديد في قاعة بمدينة < بلاكبول > غير أن الإستجابة كانت ضعيفة للغاية ولم يحضر سوى بعض النقابيين القدامى وشخصيات سياسية تنتمي إلى الماضي , بينما كانت قاعة أخرى في المدينة نفسهة تستضيف مؤتمر حزب العمال الحاكم بزعامة توني بلير آنذاك , كانت تعج بالآلاف وتشهد حيوية سياسية بالغة .
واضطر < سكارغيل > الإنسحاب من الحياة العامة بسياساتها الصاخبة , بعد أن كان يملأ الدنيا بضجيجه وشغبه ومعاركه وبتصريحات تتسابق على نشرها الصحف وأجهزة التليفزيون . ولم يعد النقابي المخضرم يظهر على الساحة البريطانية كما كان في أيام مجده السابق . وتكفل النسيان بطيه مع متغيرات حياة سياسية جارفة وتلاشي التضاريس بين الأحزاب وإنكماش ما يسمى الصراع بين اليمين واليسار .
وعلى الرغم من جموح هذا النقابي خلال أيام صخبه , غير أنه لم يتعرض لإعتقال أو إهانة أو تعذيب , ليتراجع عن موقفه , فالمجتمع الديمقراطي يسمح بكل وسائل الإحتجاج طالما كانت في نطاق القانون . وكان يمكن لآرثر سكارغيل أن ينجح في خطته بإسقاط < تاتشر > فقد تمكنت نقابات في السابق من إسقاط زعيم العمال ورئيس الوزراء جيمس كالاهان , إحتجاجاً على سياساته على الرغم من إنتمائه إلى حزب يرفع إسم الدفاع عن الطبقة العاملة .
وقد حاول < سكارغيل > تجريب الأسلوب نفسه مع تاتشر , لكنه فشل , ليس بسبب قوات مكافحة الشغب ومهارتها في الإعتقال والمطاردة , وإنما لأن الحياة السياسية في بريطانيا تغيرت , وكانت تعطي فرصة لمنهج جديد تقوده في هذا الوقت رئيسة الوزراء , في تحريك الإقتصاد وتنشيطه ودفعه بإجراءات تخصيص تصب في صالح الشأن العام وليس لحفنة من الأفراد .
وأرادت إدارة متحف البورتريه غاليري ذكر < سكارغيل > وتاريخه في حقبة الثمانينيات , إذ لا يمكن تجاهل هذه الفترة بصخبها وحركتها المدهشة . وهذا المتحف يضم صور الزعماء والسياسيين وقوات عسكريين , ووجود لوحة زيتية للنقابي الشهير صاحب أكبر إعتصام وإضراب في الحركة السياسية البريطانية , يلقي الضوء على سياسة تعترف بفضل الجميع في تحريك عجلة المجتمع .
وكانت المفاجأة أن إدارة المتحف وضعت بجانب < سكارغيل > صورة زيتية أخرى لمنافسته مارغريت تاتشر , بإعتبار أنهما تحركا في حقبة واحدة وأثر كلاهما على مجرى الحياة البريطانية . وكان لا يمكن وضع لوحة لتاتشر وتجاهل خصمها < سكارغيل > إذ التاريخ لا يعرف التجاهل أو النفي أو إسقاط أحقاب معينة أو شخصيات بسبب موقعها وموقفها السياسي .
إدارة متحف الصور الشخصية تؤرخ لبريطانيا , لا لتاتشر أو سكارغيل , لذلك وضعت العدوين جنباً إلى جنب , في إطلالة على مشهد تاريخي عجيب , إذ يتجاور الخصوم والمتنافسين في ساحة التاريخ , مع رفض كلاهما للآخر في ميدان الحياة النابضة .
ولا تتبع إدارة المتحف هيئة أمنية أو أخرى إستخباراتية تتحفظ على صورة نقابي متمرد , فهذه الضغوط لا وجود لها في مجتمع يعتمد على إجتهادات أبنائه , ويثمنها , سواء كانت بفعل < تاتشر > أو بإحتجاج < سكارغيل > وتمرده وشغبه .
وقد وقفت أتأمل الصورتين الفنيتين , وتذكرت أجيال من مناضلين مصريين وشخصيات حركت الوطن ورفعت لواءات إحتجاج وتمرد , وكان مصيرها الإعتقال وأحياناً الموت بالإعدام أو الضرب كما حدث لشهدي عطية الشافعي وسيد قطب .
الأمور في بريطانيا مختلفة , فالإقناع في الحياة السياسية يتم بشكل لا يستند على عنف ما , فالكل من حقه التعبير والحكم في النهاية للرأي العام وصناديق الإنتخابات . وعندما شاهدت < سكارغيل > يتحدث في قاعة خالية في مدينة < بلاكبول > أدركت حكمة أسلوب ترك الظواهر السياسية للحكم والتقييم بعيداً عن تحرك الأجهزة , التي يقتصر عملها فقط على رصد من يتجاوز القانون ويضر الآخرين . أما الإحتجاج السلمي والدعوة إليه بالإحتجاج أو التظاهر أو أشكال التعبير الأخرى , لا يدخل ضمن هذا الإطار على الإطلاق .
لقد أهملت الحياة السياسية صخب < سكارغيل > وتمرده . وتكفلت رياح فكرية في تغيير شكل الساحة العامة في البلاد , فتوارى تيار الغضب وصعد الآخر القادر على التفاهم والتغيير مستنداً على إرادة الناخبية , الذين انفضوا عن النقابي الثائر ولم يمكنوه من دخول البرلمان .
وتقف لوحة < سكارغيل > في متحف الصور الشخصية , تعبيراً عن حياد التاريخ وتسجيله لرموز كانت وراء تحريك الحياة البريطانية , ولا يمكن ذكر الثمانينيات دون الحديث عن مواجهة بين < تاتشر > رئيسة الوزراء والنقابي المتمرد والساخط عليها .
وتناولت أفلام ومسلسلات تليفزيونية هذه الحقبة , ويشتكي بعضها من ظلم المرأة الحديدية , التي فككت الصناعة الثقيلة وأغلقت المناجم , ودفع < عمال > ثمن هذه الحقبة بكل أعبائها . وهذه الأعمال الفنية تجد طريقها للمشاهد , كما أن الكتب والدراسات تتناول هذه الحقبة بالتحليل والعرض والتوثيق . ولم أعثر على رأي يتهم < سكارغيل بالعمالة مثلاً أو أنه كان يتجسس للإتحاد السوفياتي أو يقبض أمواله من ليبيا أو إيران .
حق الممارسة السياسية بكل ألوانها الصاخبة مسؤول عن تحريك بريطانيا , فهي تنمو بالإعتدال مع الراديكالية معاً بالغضب والإحتجاج ووجود عقلاء على القمة لا يلجأون إلى أساليب العنف , لأنها ممنوعة وتستنفر ردود فعل في الإتجاه المعاكس لطبيعة الحياة الديمقراطية .
زيارة متحف البورتريه غاليري في لندن , تعطي إطلالة على وجود لوحات لمتمردين وفنانين وسياسيين عقلاء تجمعهم ساحة واحدة , إذ أن الجميع شاركوا في صوغ بريطانيا على نار النضج الإنساني وإحترام حق كل مواطن , بلا إهانات أو ضرب أو إعتقال , لان هذه الوسائل البشعة والمكروهة تفعل العكس تماماً , إذ تحبط المجتمعات وتقوي التزمت وتروي التعصب وتدفع نحو غضب يستخدم العنف واطلاق الرصاص على الجميع .
|
|