كان بودي ان يكون الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد مبدع " خيمة على مشارف الاربعين ، ومن اين هدؤوك هذي الساعة ، والحر بن الرياحي.. " مثار إختلاف وخلاف حقا على قامتة الشعرية وانجازاته الابداعية، وما حققه من اضافات في مسيرة الشعر العراقي والعربي الحديث ، سيما وأنه من أقرب الشعراء الى رواد حركة التفعيلة في أواسط الأربعينات ، وكان بودي أيضا أن يكون الشاعر عبد الواحد قد التفت الى مسيرته خلال أكثر من عقدين من الزمان قضاها نهّازا للفرص ، قنّاصا نواحا على مآسي شعبه وحروبه الخاسرة، ... وكنت أتمنى أن تكون سنواته التي غادرت السبعين كثيرا ، واشتعال شيبة رأسه ، تجعله حكيما بما يكفي ، وشجاعا وهو على مشارف الأفول الابدي.. بعد ان أفل من خارطة الشعر العراقي الحديث منذ زمان .
لكن الرجل، وعلى مدى ثلاث حلقات ُبثت من قناة الشرقية وبعنوان "المُختلِف والمُخَتلف " وحلقات أخرى بثتها قناة البغدادية، نضح ما في إنائه من مختلف الأوجه والضروب... لقد خالف عبد
الرزاق فعلا وأختلف ، ولكن مع من؟
الشاعر والحاضنة
اذا كان الشاعر نتاج بيئته وابن عشيرته وصوتها الصادح قديما ، فمن حق العشيرة التي أعلت اسمه ورعته وأفردت له مكانا كأحد اشرافها ، من حقها على الشاعر أن يكون صوتها المدوي وتكون قوافيه في خدمة أغراضها سلما وحربا ، كما يقول الشاعر
وهل أنا إلا من غزية إن غزت
وان ترشد غزية أرشد
ولكن ما بال عبد الرزاق الشاعر وحروب صدام، فهل كان حقا صنيعة صدام وقبيلته وتجار الحروب ومصاصي الدماء، وهل صار العراق "طابو" لصدام، ولرزاق.. شاعره ورافع بيرقه الأوحد ؟
كيف يحق لعبد الرزاق ان يقرن بين الوطن والحاكم وكيف له ان يكون مع الحاكم ظالما او مظلوما، بحجة الدفاع عن الوطن؟؟
اثارني ما ذكر، من انه شاعر قبيلة ووطن / الوطن = قبلية عند الشاعر، وبالتالي فهو لم يجد خيارا غيرأان يكون بوقا للحرب وباني حاضنة الموت والعنف.
وبعد أن انكشفت عورة صاحبه وولي نعمته ومثاله في البطولة امام مرأى ومسمع كل من به صمم، نعم ظهر سيده الوضيع من حفرة الذل والمهانة الى مشنقة العدالة بصورة مثيرة للسخرية والعجب معا ،لما حمله من متناقضات مقرفة وصلافة قل ّ مثيلها ، إلا ان عبد الرزاق الشاعر يصرّ على التشدق بعلاقته مع سيده " وأي سيد سيده!!" تقول ُمقدمة قناة الشرقية ميسم: من هو سيف دولتك ؟ "
عبد الواحد: كسر كان لدي وكسر , يكفي هذا الجواب ؟ لم يبق لدي سيف دولة الآن , كنت أعتقد ان الرئيس العراقي الراحل كان سيف دولتي وفعلا كتبت له واسقطت حلمي بالبطولة عليه مثلما أسقط المتنبي حلمه بالبطولة على سيف الدولة".
ثم يسترجع الشاعر المتكسب صوت ضمير الجموع الى سؤال أشدّ صفاقة حين يقول " هناك سؤال مهم الان ميسم، فالتاريخ لم يحكِ لنا شيئا عن سيف الدولة فربما كان ظالما او عنيفا او قاتلا او كذا او كذا , لكنه كان حلم المتنبي بالبطولة"!!
إن المفتتح يحيلنا الى أزمة نفسية وانسانية يعيشها الشاعر المتكسب اذا غادر حضيرة سيده فما يقوله الشاعر في علاقته مع الحاكم لا يرتبط بمبدأ اخلاقي او نفعي حسب، بل يمر عبر جهل او تجاهل هذا الشاعر ماهية العلاقة بين الشاعر والحاكم قديما وتحول وظيفة الشاعر في العصر الحديث الى راءٍ ومبشر ونذير، فالشاعر المنشد المداح الرداح، قد انزوى في خيام الصحراء وبات ظلالا باهته نراها اليوم في مناسبات الحكام ورعاياهم ..، ولكن عبد الرزاق الشاعر يريد دائما ان يُعصب عيون الشعر ويرجع به الى ما كان في زمان الف ليلة وسيف واحد ، وهو بهذا يسقط نفسيا كخصيّ وأبتر لا يقوى على العيش الا بوجد سيف ودولة !!
واذا كان من حقه ان يقرن نفسه بمن يشاء كالمتنبي والجواهري ، فليس له ان يشتهي ما يريد من هذين الشاعرين وينبذ ما لا يروق له!.
أعني ان المتنبي هو شاعر متكسب أيضا ولكن له كرامة ورسالة شعرية وطموح لا يدانياه مكسب . لقد كلل الملوك المتنبي بكل شيء الا الزعامة فهجرهم ومات مقتولا بشعره ميتته الشهيرة، الجواهري أيضا نعم مدح ومدح وقدح وقدح .. ولكنه مثلما رمى العمامة متمردا على أسوار الكوفة والنجف، وأتي الى بغداد شاعرا وثائرا حاسر الرأس، طار هناك الى ارض بلاسيف ولا دولة يحكمها مثل سيف دولة عبد الرزاق الصديء.
تعالوا واسمعوا ما يفخر به هذا الشاعر عن علاقته بسيده الهمام وسيف دولته الاثير".
"قالوا ان السيد الرئيس يريدك , اتت سيارة واخذتني والقصيدة كانت معي ماتزال مسودات , للتاريخ كانت مروءته معي تتيح لي ان اتكلم معه بكل حريتي كنت احيانا ينسرب مني كلام احيانا من دون ان اقصد او اعاقب , قال استطيع ان اسمع القصيدة قلت له قبلها دعني اقول لك شيء عن كتابتها فيوم امس بعد منتصف الليل اطبقت اجنحتها على الورق ولم تزل مسودات ,قلت له للتاريخ انني الان اكتب اواخرها كنت ثملا جدا، شارب اكثر من نصف ويسكي وقلت له انني من تاثري بالقصيدة بكيت وقمت وانزلت ديوان المتنبي من المكتبة ووضعته امامي وقلت له ليس انت وحدك من يكتب شعرا انا ايضا اكتب الشعر فضحك وقال لي ومن قال لك انك اقل من المتنبي..." , وكانت قصيدة طويلة وانا كتبت له الكثير وهذا شئ موثق ولست نادما على ما كتبت له"
يا لخيبة هذا الشاعر المجرور الى حضيرة سيده .". اين هو من كبار الشعراء في العربية وبلاد السند والهند والاعاجم قاطبة ، من هذا الحاكم الذي يريده الشاعر سيفا ابديا وهو يتمرغ ويعتذر حتى سقطات لسانه ونزوته وحريته الشخصية وجنونه الفردي وسكره ،، اي شاعر يمسك بمسودات ويذهب الى حاكم ان لم يكن مجرورا من أذنيه !! وكيف يسمح للسيارة التي اخذته بسكره ومسوداته الى اين _ وانا متأكد من انه لا يدري الى اين ذاهب هو.
هذا غير مرة ثانية يكرر سحله الى القصر الجمهوري وبقائه الى الصباح منتظرا ملاقاة سيده مع حفنة من المتزلفين!
وهو كما يقول الشاعر
على الباب مثل الخصى واقفُ
ويدخل أير ويخرج آخرُ
وفوق كل هذه الاعترافات المخجلة يرد بلاحياء على سؤال ميسم "هل احببته ؟ هل اعجبت به ؟
عبد الواحد: انا لا ازوّر الشعر، انا عبد الرزاق عبد الواحد وانا لا اكتب الشعر متزلفا فانا عندما كتبت قصيدتي التي استطيع القول عنها العظيمة (صبر ايوب) وتكلمت معه بشكل مباشر لكن حتى الوزراء كانوا يحسدونني على انني اخذ راحتي معه جدا !!" ويسرد قصته في اللقاء الاول مع معشوقه بالقول" كانت المرة الاولى التي التقيه بها , جاءني الوزير وانا كنت مستشار الوزارة ، جاءني وكانت بيدي قصيدتي وكان هناك مجموعة من الشعراء اقرأ لهم وقال لي الوزير : ابو خالد اعتذر من الاخوان وتعال معي انا احتاجك فقمت معه واعتذرت من الاخوان وقال لي قصيدتك اجلبها معك , صعدنا في السيارة وكان هو يقودها فقلت له الى اين نذهب قال لي السيد الرئيس يريدك , فوصلنا الى القصر ودخل امامي وكان يسلم عليه وكنت انا خارج الباب وسمعته يقول عبد الرزاق اتى معك ؟ قال : نعم فقال ادخل عبد الرزاق فدخلت وصافحني وبعد ان صافحني رجعت الى الخلف وكنت متوترا وكنت اطالعه من راسه الى قدميه واقول هو هذا صدام حسين ؟ فعرف انني متوتر فقال لي اجلس عبد الرزاق فجلسنا وكان هو جالس امامي مباشرة وعبد اللطيف كان جالس على امتداد الغرفة وبدأ هو يتحدث من عشرة الى خمسة عشر دقيقة حتى يمتص توتري وبعدها وجه الحديث لي , من ذلك اليوم الى ان فارقته انا لم اكن اتكلم معه الا واقول له ابو عدي فلم يكن بيننا سيدي او السيد الرئيس وكلما اتي لرؤيته هو الذي يقبلني اربع مرات حتى في يوم من الايام عبد اللطيف قال لي ماذا تريد بعد لقد قبلك اربع مرات فقلت له وماذا تريد هل انت ضرتي "
البوسات الرئاسية
اسمعوا هذا الشاعر الذي يفتخر برفع الكلفة ويحصي عدد "البوسات الرئاسية" على خديّه ووجهه الاملس!!"
اسمعوا كيف يسمح لسيده ان يصحح المعاني الشعرية والمقاصد وهو ما لم يفعله سيف دولة امام شاعر ولو كان شحاذا ،!! طالعوا بربكم ما يقوله صدامه الهمام "، "انا الان اتكلم عن مروءته معي وليقل لي قائل عديل مروءة كيف كتبت له هذا الكلام , قال لي انت لديك قصيدة جديدة عبد الرزاق قلت له نعم , قال نستمتع بسماعها كلنا ؟ قلت له نعم كانت قصيدة ما تشاء يا عراق لا ما اشاء انت ابقى والمجد والكبرياء انت ابقى وكل حبة طلع فيك ابقى وتذهب الاسماء فجفل الرئيس فكل الاسماء تذهب وكلنا نذهب ويبقى العراق واستمريت بالقراءة ووصلت الى قولي ما تشا يا عراق صوتك صوت الله فينا وكلنا اصداء , قال استطيع ان اعلق عبد الرزاق على هذه قلت له نعم قال العراقيين كلهم اسماء وكلهم اصوات عالية وليست اصداء فهل من الممكن ان تجعلها اسماء هو ليس ممكن لانه يتغير معنى البيت ولكن انا قلت له ممكن وقال لي هذا منوط بك اذا تراه ممكن فغيره , وانهى اللقاء وخرجنا , احكي لك عن لقائنا بالقصيدة بعد ان القيتها وقبل ان اقرأ القصيدة وانا كنت مدخن لا استطيع ان ارمي السيكارة من يدي فقلت له اسمح لي ابو عدي ان ادخن فضغط على الجرس وقال لهم اجلبوا لنا سيكار فقلت له اذا سمحت لي ان ادخن من سكائري وانا كنت ادخن روثمان فاخرجت العلبة من جيبي وانا كنت اراقبه واراقب كل حركة من حركاته فانا هذه المرة الاولى التي اراه فيها فاخرجت سكائري وكانت امامه طاولة عليها علبة كبريت فتناول العلبة ووقف وانا للحظة لم اعرف ماذا يريد ان يفعل ولكنه عندما وقف واخرج عود كبريت فوقفت وتقدمت خطوتين نحوه ومسكت يده وقلت له ابو عدي حفظك الله لا , وهذا الكلام حرفي لا يوجد فيه حرف زائد او ناقص وليس كلمة , فقال عبد الرزاق انت اليس ابن عرب ؟ قلت له ابن عرب ابن عرب ولكن الى هنا لا ارجوك فمسك يدي وقال نحن من هنا نبدأ فمسكني واجلسني على الكرسي واشعل عود الثقاب وانا جالس والسيكارة في فمي وصدام حسين منحنٍ باكمله واشعل لي سيكارتي فاخرجت السيكارة من فمي والتفت الى لطيف وقلت له لطيف هذه الاسطورة الى من احكيها ويصدقها ؟."
تصورورا ان شاعرا مثل الرزاق عبد الواحد والذي يشبه نفسه بالمتنبي ينطّ كخادم اجرب في ايوان وزير مستقيل ليفتخر ان صدام اشعل له سيجارته الروثمان !! تصوروا انها اسطورة ، فانعم به من شاعر وانعم به من سيف دولة وحاكم !!!..
كيف لهذا الشحاذ عبد الواحد ان يقارن نفسه بالمتنبي القائل
وكلُّ ما خلق الله وما لم يخلق "
محتقر في همتي كشعرة في مفرق "
تصوروا حجم المأساة حين يفتخر الشاعر بين المتكسبين جمعيهم يرحمهم الله وهو لم يرف له جفن ويذكر لماذا رحم الله الشاعر شفيق الكمالي" لم يقل كلمة حق الان في حق شفيق الذي اعدمه صدام " .. تصوروا حجم الكارثة وهو لا يعرف مقصد صدام حسين الخفي من حركته هذه والذي يراد بها اهانة الجميع وبضمنهم الشاعر ..
تابعوا معي " صار اليوم الثاني وصار المهرجان وكانت الدولة كلها حاضرة ما عداه هو حتى نواب الرئيس والوزراء كانوا جالسين طه ياسين رمضان وطه محي الدين معروف , القى الاستاذ شفيق الكمالي رحمه الله قصيدته وكمال الحديثي ومحمد جميل شلش ثم قام خليل خوري رحمه الله لإلقاء قصيدته واذا القيادة كلها قامت فعرفنا انه جاء وكنت انا منتظر ان أقرا بمجيئه وكان المنبر والمنصة عالية جدا بحيث عندما الشاعر يقرأ لايرى منه سوى راسه فعندما وقفت قال عبد الرزاق لحظة واحدة فوقف ورجع خمسة صفوف الى الوراء وايضا رجع الكل وراءه فقد كانت القاعة شبه قوس وقال انا الآن اراك فأقرأ وانا شعرت بزهو كبير جدا بهذا الموقف وقرأت القصيدة التي بعد ان علق عليها، ذهبت الى البيت وعملت عليها وعندما وصلت الى ما تشا يا عراق صوتك صوت الله فينا وكان هو منسجم جدا , ما تشا يا عراق صوتك صوت الله فينا وكلنا اصداء فاعتدل بجلسته انه كلامه لم يفعل شيء وانا رجعت تأكيدا وقلت ما تشا يا عراق صوتك صوت الله فينا وكلنا اصداء فوضع يديه على الكرسي كانه يريد ان يقف وانا مطمئن لانني اعرف ما القصيدة ،قلت كلنا رجع صوتك المتعالي ليس في النخل نخلة بكماء لو على قطع راسها تتباهى طفلة النخل انها فرعاء سم اسما وناده ستجدنا جميعا وكلنا اسماء , يمين الله وقف بطوله ووقف الجميع وبقيت مدة الى ان وقف عن التصفيق وهذه لم تكن تعطى لشاعر وعلاقة الشعراء العرب برؤساهم وملوكهم , فماذا نسمي المتنبي عندما يكتب لسيف الدولة ؟ فالمتنبي مدح حتى كافور وهو من اعظم الشعراء العرب مدح كافورومدح سيف الدولة وامراء وقواد والشعراء كانت هذه حالات يعيشوها والجواهري نفسه .
اصعد فها انت في بوابة الحلم صفق بين ذرى عمان والاكم اصعد فكل رياح الارض لوعصفت مرت بك الان مر الغيم بالعلم اصعد فالف سموم قبلها عصفت وانت تخفق بين النجم والسدم ما نال منك سوى جنحيك عاصفها وانت كالكوكب الدري في العتم خمسين عاما ملأت الكون اجنحة مخضوبة الريش بين الريح والظلم حتى وصلت الى عمان فلتعد ان تستريح فهذا اول الاجل اهدا قليلا على الاوراق يا قلم فلقد بشمت من النيران فانفطم ولا تقل لي منايانا تلاحقنا اعمارنا وردت ساق على قدم يمشي بنا الموت او يمشي بنا عبثا بلا سروج ولا خيل ولا لجم فان ينم اي موت عن ودائعه فعمر موت العراقيين لم ينم.
الغرور الفارغ
في يوما ما بلغ الغرور بعبد الرزاق الشاعر حتى قال " انا سيد المشيتين" ويعني الحر والعمود ، وقال ايضا في حفل شعري " انا لا ارى غيري شاعر هنا في هذه القاعة " ومن هذه الانا التي تليق بالشاعر المبدع الصانع الرائي ، الى تلك الانا المنساحة الى اواني مستطرقة يسبكها الحاكم ليطفو في متاهاتها الشاعر التابع كجثة طافية في مبزل مظلم وأسن، من هامة الغرور الشعري ، ومن خيمة على مشارف الاربعين حتى صار "امضيع المشيتين" كما جاء في المثل العراقي على الغراب،، وما اشد على الانسان ان يرى الشاعر اليمام وقد انقلب سحيما ، وصار غرابا..
من ينعق لمن ؟