|
منذر عبد الحر من بغداد: لا يمرّ يوم في العراق , إلا وفيه من الغرائب والعجائب ما يثير فصلا ً جديدا ً من الكوميديا السوداء , التي تجعل هذا البلد بلد المفارقات بامتياز , فأن ما يمرّ به من ظروف , وعزلة خانقة جعلته , مضغة سهلة للأحداث التي تبنى على أساس الاستغلال البشع للناس وأحزانهم وحاجياتهم الإنسانيّة الكثيرة , ولعل الفساد الإداري الذي أنزل مطرقة هائلة على رؤوس الأبرياء من الناس , هو البوّابة الدائمة لتبرير أحزان العراقيين والتعليق الرسمي – المهذّب – على محنتهم , وآخر فصول مسرحيّة الفساد هو الأطعمة والمواد الفاسدة التي تستورد , وتقدّم للمستهلك دون الإشارة إلى عدم صلاحيتها , إلا بعد أن تفوح روائح الضحايا بسببها , وتصبح الفضائح واضحة ولا تحتاج إلى دليل يضاف إلى شهود الموت والإصابة بالأمراض المتنوّعة التي يسببها الغذاء المستورد معلّباً , وربّما وضعت عليه تواريخ مزوّرة , وصلاحيات ٌ مزيّفة , تمنح المواطن الباحث عن سلامة ما يقتنيه طمأنينةً .
وقد اعتدنا على إطفاء حرائق الفضائح التي تنجم عن المواد التالفة , أو تلك التي تضم آفات ٍ وويلات ٍ , مثلما نتذكر الحادثة الروّعة التي صعدت روائحها من مدينة بابل جنوب بغداد , عندما اكتشف عقار يباع في الصيدليات وهو يحتوي على فايروس الإيدز , وقد ( لملم ) الأمر , وطويت أوراق الفضيحة , كي لا تثير الهلع بين الناس , فيما فرضت شروط على أعين الرقابة من الإعلاميين , ومتصيّدي الأخبار , وحجبت عنهم الكثير من الأحداث والمواقف , والحالات , بل وصل الأمر إلى قتل الإعلاميين , كي لا يثيروا الرأي العام حول قضايا ربما يكون المجتمع والشارع العراقي في غنى عنها الآن وهم يعانون تحديات ٍ أكثر أهميّة وخطورة !
ولأن الموت في العراق أصبح مجانيّاً , ولا ضير ولا غرابة في أن يجد المواطن العراقي صباح كل يوم قرب داره أو محل سكناه جثثاً مجهولة الهويّة تخصصت الشاحنات الصغيرة للشرطة بنقلها إلى المستشفيات القريبة , لترمى بعد ذلك في مجزرة ( الطب العدلي ) التي لا توصف مأساتها !
هذا الموت المستخفّ به , جعل كلّ وسائله ممكنة مشروعة , ضمن إطار ما يعيشه العراق من ويلات , فالأطعمة الفاسدة , هي فضائح معلّبة , تدخل إلى البلاد في وضح النهار , ويجلبها بعض التجار ليدخلوها إلى متناول يد المواطن الباحث عن الكثير من المفقودات في حياته , ثم , وبعد أن تفعل الفضائح المعلبة فعلها في الناس , يظهر خبر ٌ خجول ٌ في سبتايتل إحدى الفضائيات , يشير إلى أن الجهات الصحية ( اكتشفت ) وجود بعض المواد التالفة , التي وصلت إلى البلاد ؟؟!!
ترى كيف وصلت هذه المواد ؟
عن أي طريق , ومن سمح لها باختراق الحدود وقطع المسافات ,. ولم يطل برأسه عليها لشمّ ما تخفيه هذه الشاحنات من سموم لقتل العراقيين ؟
أسئلة كثيرة , لعلّ الإجابات عنها تظل عالقة , فيها الكثير من الحلقات المفقودة , التي تمضغ وتدار ومن ثم لتجد نفسها تحت يافطة , الفساد المالي والإداري , الذي لا يريد أن ينتهي , طالما العراق , فريسة مفتوحة , روّادها دائمون , ولحمها لا ينتهي .
|
|