جوناثان شيفر من واشنطن: ستبدأ مجموعة من صور الأشخاص واللوحات الفنية والقطع التي كانت من مقتنيات الرئيس أبراهام لنكولن والقيصر الروسي أو الإسكندر الثاني، الشخصية جولة في أنحاء الولايات المتحدة، معرّفة الأميركيين طوال عام كامل على الدور الذي لعبه الزعيمان ومستشاروهما في صياغة العلاقات الأميركية-الروسية.
وستبدأ الجولة في أوشكوش، بولاية وسكونسن، حيث يستمر عرض هذه القطع 3 أشهر، في 12 تموز/يوليو القادم، قبل أن ينتقل المعرض إلى كانزاس سيتي، بولاية ميزوري، احتفالاً بالذكرى المئوية الثانية لمولد لنكولن. وسوف تشتمل هذه القطع التي تزيد عن 200 قطعة تم اختيارها من متاحف أميركية وروسية على عدة رسائل تبادلها الرئيس الأميركي والقيصر الروسي ووزيرا خارجيتهما أثناء سعيهما لدفع عجلة برامج سياسية داخلية وخارجية مختلفة ولكنها متساوقة أيضا.
روسيا ايدت اميركا
وتجدر الإشارة إلى أن مؤسسة التعاون الثقافي الأميركي-الروسي هي التي كانت وراء فكرة المعرض الذي تدعمه لجنة ذكرى ابراهام لنكولن المئوية الثانية وعدد من أهم المتاحف وأشهرها في البلدين. وبين القطع المعروضة رسائل تبادلها وزيرا الخارجية الأميركي والروسي إبان الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، ونسخة عن بيان القيصر الإسكندر الثاني بإلغاء القنانة أو عبودية الأرض في روسيا (حيث كان العبد يعمل في أرض يملكها سيد إقطاعي تنتقل ملكيته إلى سيد آخر عندما تؤول إليه ملكية الأرض وكأن العبد جزء من الأرض)، ووثائق تتعلق باغتيال القيصر، وعلم مسرح فورد الذي استخدم للفّ رأس لنكولن بعد إطلاق النار عليه.
وقال السناتور رتشارد ديربن، رئيس لجنة مئوية لنكولن الثانية، مخاطباً المسؤولين عن المعرض، إن "لتذكير مشروعكم، الذي جاء في الوقت المناسب، بالمودة التي تتسم بها رسائل وعلاقات الرئيس لنكولن والقيصر الاسكندر الثاني، صدى جيداً في عالم اليوم الذي يناضل فيه الرئيس بوش و(رئيس الوزراء) الروسي بوتن في سبيل إعادة هذه الدرجة من الثقة والتعاون."
ويشكل المعرض مدخلاً إلى فترة قصيرة وإن تكن استراتيجية في تاريخ العلاقات الدبلوماسية الأميركية-الروسية. فقد أمر القيصر الاسكندر الثاني في العام 1863، عندما لم يكن قد اتضح بعد من سيحقق الانتصار في الحرب الأهلية، جميع سفن أسطوليه في المحيطين الأطلسي والهادئ بالتوجه إلى مدينتي نيويورك وسان فرانسيسكو. وكانت روسيا أول دولة أجنبية تؤيد الولايات المتحدة (وهي الولايات الـ23 التي خاضت الحرب الأهلية ضد الولايات الـ11 التي انفصلت عن الاتحاد).
مصالح روسيا الذاتية
ويتفق معظم المؤرخين على أن الخطوة كانت تخدم مصلحة روسيا الذاتية، إذ إنه كان على الاسكندر أن يحمي أسطوله من إنجلترا وفرنسا اللتين كانتا قد هددتا بالتدخل إلى جانب البولنديين الذين كانوا قد ثاروا على روسيا مطالبين بالاستقلال. كما يتفق المؤرخون على أن سفن الأسطول كانت قديمة جداً ولا تقارن لا من حيث العدد ولا من حيث النوعية بسلاحي البحرية البريطاني والفرنسي. ولكن لنكولن رحب بالأسطول الروسي لكونه يبعث برسالة إلى فرنسا وإنجلترا بالبقاء خارج الصراع الأميركي.
ومما زاد من أهمية الخطوة في نظر لنكولن أنه في حين أن بريطانيا وفرنسا كانتا حياديتين رسميا خلال الحرب الأهلية الأميركية، إلا أنه كان يخشى أن تدفعهما المصالح التجارية التي تربطهما بالولايات الجنوبية والنتائج المتباينة التي كانت الولايات الشمالية تحققها في ساحة القتال إلى التحالف مع الولايات الجنوبية. وهكذا، فإن وجود الأسطولين الروسيين، حتى وإن لم تكن لدى الروس أي نية في الاشتباك في معارك مع الولايات الجنوبية، كان يشكل في نظره رادعاً أساسياً للبريطانيين والفرنسيين يثنيهما عن التدخل.
وفي حين أن وصول الأسطول الروسي كان مفاجأة بالنسبة للنكولن، إلا أنه كان أيضاً فرصة استغلها لصالحه إلى أقصى حد. وهكذا قامت السيدة لنكولن في 16 أيلول/سبتمبر، 1863، يرافقها اللواء جون ديكس، بزيارة إلى الفرقاطة الروسية أوسليابا. واستقبل الشعب والصحافة الأميركية ذلك بحماس كبير، إذ إن الرسالة الضمنية التي فهمت من الخطوة هي أن الولايات المتحدة لن تتدخل في الشؤون الروسية في أوروبا.
وأوضح النائب السابق في الكونغرس، جيمس سايمينغتون، رئيس مجلس إدارة مؤسسة التعاون الثقافي الأميركي-الروسي، أن "السياسة الواقعية" (المبنية على المصالح والحاجات لا على عوامل أخلاقية أو نظرية) كانت تحكم العلاقة بين الطرفين.
قيصر ودي
فعلى سبيل المثال، كانت روسيا تخشى أن يؤدي تعثر العلاقات الروسية-الأميركية وهزيمة الولايات الشمالية المشكّلة للولايات المتحدة الأميركية إلى تعزيز قوة إنجلترا وفرنسا وتغيير ميزان القوى في أوروبا. وقد كتب وزير الشؤون الخارجية الروسي أ.م. غورتشاكوف، في تموز/يوليو 1861، رسالة إلى إدوارد دي ستوكل، المبعوث الروسي لدى الولايات المتحدة، جاء فيها "إن هذه الولايات المتحدة الأميركية لا تشكل، في نظرنا، عنصراً مهماً في التوازن السياسي العالمي وحسب، وإنما هي تمثل، علاوة على ذلك، الدولة التي يظهر قيصرنا وروسيا كلها اهتماماً ودياً جداً نحوها. ويمكن للولايات المتحدة الأميركية (أي الشمالية) أن تعتمد، في جميع الأحوال، على أعمق مشاعر التعاطف من القيصر خلال هذه الأزمة الخطيرة، التي تمر الولايات المتحدة بها حاليا." وتجدر الإشارة إلى أن هذه الرسالة من بين القطع التي يتضمنها المعرض.
كما يتضمن المعرض الرسائل التي تبادلها دي ستوكل وغورتشاكوف في العام 1863، عقب اجتماع دي ستوكل مع وزير الخارجية الأميركي وليام سيوراد، وهو الاجتماع الذي يقال إن سيوارد رفض خلاله تدخل الولايات المتحدة في القضية البولندية.
ولكن العلاقات الدبلوماسية الأميركية-الروسية أقدم من الحرب الأهلية إذ إنها أقيمت قبل أكثر من نصف قرن من اندلاعها. ففي العام 1809، وصل جون كوينسي آدمز، الذي أصبح في ما بعد الرئيس الأميركي السادس، إلى موسكو بوصفه أول ممثل للولايات المتحدة لدى روسيا. وبحلول العام 1832، كانت الولايات المتحدة وروسيا قد وقعتا اتفاقية تجارية بينهما، وبحلول منتصف الخمسينات من القرن التاسع عشر، كان بناؤو السفن في نيويورك يبنون السفن الحربية لسلاح البحرية الروسية.
العبودية والرق
وسوف يسلط المعرض الضوء أيضاً على الدور الأساسي الذي لعبه كل من لنكولن والاسكندر الثاني في تحرير شعبه من العبودية والاسترقاق. ففي 19 شباط/فبراير، 1861، مُنح أكثر من 20 مليون فلاح روسي حريتهم. وقد نوه مناصرو إلغاء الرق الأميركيون بذلك في كفاحهم ضد نظام الاسترقاق. وفي العام 1863، كتب الرئيس لنكولن إعلان تحرير العبيد الذي أدى إلى إلغاء الرق في الولايات المتحدة.
كما يظهر المعرض أيضاً أن الولايات المتحدة، حتى قبل إعلان تحرير العبيد، أطرت إجراءات القيصر الاسكندر الثاني بشأن مدونة قوانين روسية جديدة مقترحة من شأنها إلغاء دور الشرطة القضائي، وإلغاء المحاكم السرية، وإقامة نظام محاكم علنية بهيئة محلفين، وانتخاب قضاة مدنيين للمحاكم الجزائية، وتطبيق إصلاحات أخرى تنقل روسيا إلى نفس المسار الدستوري الغربي.
ولكن، وتماماً كما تم اغتيال لنكولن في 14 نيسان/إبريل، 1865 بسبب ما اتخذه من إجراءات في مجال الحقوق المدنية، قضت قنبلة إرهابي على الاسكندر الثاني في 1 آذار/مارس، 1881.
وقال سايمنغتون: "سيقوم هذا المعرض، من خلال تركيزه على المبادرات المتكافئة التي قام بها هذان الزعيمان اللذان كانت جذورهما الاجتماعية والثقافية متباينة جداً واللذان عاشا في القرن التاسع عشر وغرسا بذورا تطورت في المستقبل، بتثقيف شعبي البلدين، وخاصة الشباب، وبدفعهم إلى تذكر وتقدير ما كانت تعنيه الولايات المتحدة وروسيا لإحداهما الأخرى."
* موقع أميركا دوت غوف