في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ المنطقة, الاردن, احوج ما يكون الى اعادة تقييم سياساته الداخلية والخارجية بوضعها على منصات دفاعية وهجومية, لمواجهة ما يستجد من اخطار بدأت تطل برأسها من دوائر الصراع الاستراتيجي من حولنا.
هذه الاخطار يمكن تحديدها بما يلي:
(1) حالة الانهيار, ولا اقول الفشل فقط, الذي تشهده بنية التحركات التفاوضية والسلمية من قبل الفلسطينيين و(عرب الاعتدال) من اجل اقامة دولة فلسطينية على اساس المبادرة العربية وقرارات مجلس الامن. والاردنيون لا يجمعون على شيء اكثر من اجماعهم على ان اجهاض حلم وهدف الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس يعني فتح الابواب على مصاريعها, الآن وفي المستقبل, على خيار (الدولة البديلة) ولا اقول (الوطن البديل).
(2) من معالم حالة الانهيار على المسار الفلسطيني ما اسفرت عنه جولة وزيرة الخارجية الامريكية رايس التي انتهت بها الى القفز من مركب (التفاوض الفلسطيني - الاسرائيلي) لتتشبث بقشة مزارع شبعا. في تعبير واضح عن مغادرة الدبلوماسية الامريكية ساحة الجهود لاقامة دولة فلسطينية الى محاولة البحث عن دور (ولو من خلال شباك شبعا) في المفاوضات غير المباشرة بين سورية واسرائيل.
(3) واخطر مظاهر الانهيار في المسار الفلسطيني - الاسرائيلي اقرار رايس بمشروعات الاستيطان الهائلة لالتهام وتهويد القدس ومناطق رئيسية في الضفة المحتلة. فالنقد الخجول, الذي صدر عنها للاستيطان, ردت عليه حكومة اولمرت, ليس فقط بالتمسك بمشاريعها السابقة, انما باعلانها, تبني مشروعا جديدا لبناء 40 ألف مسكن في القدس خلال السنوات العشر المقبلة.
وبالعودة الى مرتكزات السياسة الخارجية فان اعادة التقييم تفرض نفسها, خاصة وان الاخطار تأتي من جهتين, من (الجيران) الذين عقدنا معهم معاهدة سلام بشرط ان يكون هذا السلام شاملا, واليوم نراهم يعملون كل ما بوسعهم لجعله (سلاما) على جثة القضية الفلسطينية وعلى حساب الاردن.
أما الجهة الاخرى فهي الولايات المتحدة التي تنتقل من سياسات الدعم المطلق لاسرائيل الى سياسات الدعم المطلق لتهويد فلسطين (بحجة العجز في الضغط على اسرائيل) مما يهيئ المناخ لفرض مشاريع (عفى عليها الزمن) بتصدير الحل الفلسطيني وخيار الوطن والدولة البديلة.
لا تكفي الاهازيج الوطنية مع خبطة القدم لمواجهة المتغيرات المشار اليها, وانما يقتضي الامر سياسة خارجية هجومية وسياسة داخلية تعيد بناء القلاع السياسية والشعبية والتمثيلية بخطاب سياسي واعلامي جديد يعيد ترتيب الاولويات الداخلية والخارجية من منطلقات وطنية وقومية جامعة.