يسري حسين من لندن: رحل مصمم الأزياء الفرنسي إيف سان لوران (71 عاماً) , فنعته الحياة الغربية , لأنه جدد أسلوبها وأخرجها من معطف البلادة والرتابة والخطوط الرمادية , إلى مساحات حافلة بالألوان البديعة والأذواق الراقية . إنه مهندس حقبة الستينيات الغربية التي جاءت بعالم مختلف بعد حروب وآلام وشجار ودموع , فتنفست في شوارع أوروبا نساء أنيقات يرتدين خيوط المصمم التي لمست نهر الجمال بهذا الإبداع الرقيق , من أنوثة وجاذبية بالإضافة إلى لمسات لفنان لديه رؤية وتصور متدفق بالمعاني الجمالية .
هيمن الغرب وثقافته على العالم عبر مجموعة من مصممي الأزياء , قرأوا الظروف الجديدة التي غمرت الحياة بطفرة إقتصادية ودخول المرأة لسوق العمل والجامعات والمكاتب بالتفوق والتألق أيضاً .
وحقبة الستينيات هي : البيتلز والموسيقى الجديدة وهبّات الشباب وأفكار التمرد , ويضاف إليها خطوط موضة إيف سان لوران , التي حررت المرأة من قيود سابقة , وجعلتها تشعر بجمال وثقة في نفسها . وعندما تدرك المرأة أنها جميلة , تتحرك بثقة وتفتح قلبها للحياة والناس وتنخرط في حياة خارج ذاتها , في العمل وتحت الأضواء وفي الشارع .
وعندما تسقط أسيرة لهواجس غير مشجعة عن نفسها , تقع في الإحباط والشك والغضب أيضاً وتحب السقوط بدلاً من الثرثرة والبقاء في الظل ورفض الخروج إلى الحياة العامة .
والمرأة العربية في بداية عصر النهضة خلال أوائل القرن الماضي , كانت لديها الثقة في جمالها وأناقتها , ويكفي ذكر الممثلات : مريم فخر الدين , هند رستم , فاتن حمامة , نادية لطفي وأخريات . وأضاء الجمال الأنثوي الحياة العامة في الجامعات والشركات وطرقات مصر وأنديتها في تعبير عن ثقة . وتأثر الذوق المصري بخيوط إيف سان لوران , التي كانت تأتي إلى القاهرة والإسكندرية وتجد نساء يرحبن بهذا الذوق الأنثوي والجمالي البديع .
وعندما ضاعت الثقة من المرأة العربية , وقعت في أسر الحجب والإختفاء , والإنذواء ورفض الحياة وإعتبار أن التمتع به حرام وبدعة لابد من نبذها .
آفاق المصريون الذين عاشوا في كهف الظلال والجلاليب والإختفاء , على هاجس لبناني يأتي بهذا الإنفتاح على الحياة والغناء والفن , فكانت القنبلة اللبنانية دافعاً للنهوض من نوم عميق , وعودة الإحساس مرة أخرى بأهمية التصميمات الجميلة الراقية , وإن كان الذوق لا يزال منحطاً , نتيجة الأزمات الإقتصادية ومعاناة الفقر والبحث عن رغيف الخبز .
إن الشعوب التي تقف في طوابير للحصول على رغيف خبز , لا يهمها < الموضة > ولا الألوان أو التصميمات الأنيقة . وعندما بدأ إيف سان لوران , يبدع في تصميماته , كانت أوروبا تعيش طفرة إقتصادية وأسواقها عامرة في باريس ولندن وغيرها من مدن الإبداع والحياة المترفة .
وقد هز فريق < البيتلز > الحياة البريطانية الراكدة , ودعا إلى إنفتاح وبساطة والشعور بعمق العاطفة البشرية والتعاطف مع نداء الحب والإنفتاح على نهر الغرام والفن . وهذه حقبة التمرد الأوروبي بكل معانيه , على سلطة الإستبداد والتقاليد البلدية , والسلوك المنافق , والتفكير في الآخرة بدلاً من الغرق في نهر السعادة كما كان يدعو < عمر الخيام > في رباعيته التي غنتها بعظمة فنية كوكب الشرق الراحلة أم كلثوم .
إيف سان لوران , هو المسؤول عن جعل أوروبا تثق بنفسها , إذ جعل النساء جميلات وأنيقات . وعندما تكون المرأة جميلة ومرحة وعاطفية تنهار سدود القبح والبكاء والظلام أيضاً . والعالم العربي مظلم لأن النساء فيه مقيدات ومكبلات بقيود التخلف والمنع والمصادرة ومطاردتهم . ومن يتجرأ منهن على البوح أو الكلام أو الإعتراض , يجري إعتقالهن وقمعهن وتخويفهن .
نساء إيف سان لوران , تحررن من الخوف , وبما أنه لم تكن في فرنسا معتقلات , فخرجن إلى الشارع بحرية وثقة . ويكفي مشاهدة سينما هذه المرحلة بأفلام جان لوك غودار , وكلود لولوش , وفرانسوا تريفو , لتعانق نسيم الحرية والمرأة التي يحتاجها المبدع للتعبير عن نفسه وبمجتمعه , بينما نحن نسقط في التكرار والغرق البليد في أشياء ماتت من كثرة التناول والبحث , ونترك قضايا معاصرة وجديدة , دون الإقتراب منها خوفاً من الرقيب أو السلطة القامعة , التي تراقب كل شئ وترصد تحركات الناس , لذلك بلادنا تموت من الخوف والرعب , بينما هم في الغرب يبتكرون ويبدعون ويصممون الأزياء الجديدة نتيجة هذه الحرية البديعة .
تعطي سيرة إيف سان لوران , هذه المعاني كلها لشجاعته في طرح خطوطه الجديدة , وتبني بيوت < الموضة > والأزياء لها والتعامل معه وتشجيعه على الإبتكار , ثم تأسيسه لمؤسسة تدير هذا الإبداع كله . < لوران > هو المسؤول عن جمال أوروبا لمدة 40 عاماً بالكامل , حتى كرر المصمم المبدع الإنعزال , لأن عالم الموضة في رأيه تغير وتحرك , إذ دخلت أجيال جديدة بخطوط أكثر تمرداً , لم تعد تركز على ملامح الجمال والأناقة , وإنما تنهل من البساطة وأسلوب < الكاجوال > في كل شئ .
هذا الإتجاه الجديد لا يعجب ذوق أجيال إيف سان لوران , لكن فيها بعض التحرر وتسويق صناعة ملابس ترضي الطلب من قطاعات جديدة خصوصاً الشباب القادم من طبقات فقيرة , ويدخل هذا الميدان ويجد الثياب الرخيصة معروضة أمامه في المتاجر الأوروبية , مما يجعله يشارك في عالم كان مغلقاً أمامه من قبل .
وهذه الميزة لا يتمتع بها شبابنا في العالم العربي , إذ لا توجد مشروعات جريئة توفر الملابس الحديثة بأسعار رخيصة كما يحدث في بريطانيا مثلاً . وهذا يعمق فكرة عن طبيعة الحصار , الذي يدفع البعض من الشباب أما للإنتحار أو الإرهاب أو السقوط في محيط الإنحلال والإدمان .
رحيل إيف سان لوران , فجّر الحديث عن تراثه وأثره , فالغرب المعاصر لم تصنعه أفكار سارتر وسيمون دي بفوار , وإنما أباطرة < الموضة > بخيوط جريئة متمردة . وكان المصمم الفرنسي على وجه الخصوص مهتماً بأناقة باريسية , أعطت المرأة أنوثة وأضافت إليها طبقات من الجمال .
والبشر يحتاجون لمن يفتح عيونهم على الجمال والأمل , وهذا المصمم البديع إنشغل بهذه المهمة , وأعطى النساء تصميمات بهذا التألق الجمالي المدهش . وعندما رحل , خرجت الأقلام تنعيه وتذكر إرثه ودوره , وتضعه في مصاف المجددين بعمله البالغ بتغيير شكل الحياة في عصره , إذ جعل المرأة جميلة وأنيقة , وهذا يكفي فقط لتغيير الكون , بمنحه القدرة على السعادة وفتح الأبواب لرياح الذوق ولمسات الجمال .
وعندما أرى تصميمات عربية , يصدمني الذوق الفج الذي يتباهى بزخرفة سخيفة تعكس الثراء , لكنها تكشف عن جهل وفقر في الشعور والإحساس الرفيع بالمعاني البديعة .