منذر عبد الحر من بغداد: أزمة السكن في العراق لا تنتهي , والمواطنون الذين بلا سكن , في بلد الخيرات كلّها , لا يمكن لهم أن يتخيّلوا حلا ً حقيقيا ً لهذه الأزمة , التي بدأت منذ عقود طويلة واستفحلت وصارت مرضا ً مزمنا لا دواء له .
العراق , الأغنى في العالم كبلد , والأفقر في العالم كشعب , هو ابن هذه المفارقة العجيبة , التي أطاحت بأحلام الناس وجعلتهم في دوّامة السؤال الدائم , متى يتذوّق الفرد العراقي طعم ثروته ؟
بل متى يتخلّص من مشاكله وحاجياته , وينام بهناءة غير مفكّر بحاجاته الإنسانيّة البسيطة ؟
مئات الآلاف من المواطنين العراقيين بلا سكن , ومئات الآلاف من المواطنين الذين يمتلكون سكناً , يكون سكنهم غير مناسب , ولا يمتلك مقومّات السكن الطبيعيّة , وفي الآونة الأخيرة , شهدنا الكثير من الناس يلتجئون إلى مناطق العراء ليبنوا بيوتا ً من الصفيح ( التنك ) كما تسمى في العراق , ويغطونها ببقايا مواد البناء والأقمشة , كي يستروا أنفسهم , أما الخدمات فهي , لا يمكن الحديث عنها أو التحقق منها , لأن الخدمات غير متوفرة في الأحياء الراقية , فكيف بها بالأحياء الطارئة , التي لا هوية سكانية لها ؟
المشكلة , أن لدى الحكومة وزارة للإسكان , ووزارة أخرى للمهجّرين , وكلا الوزارتين , يبرع مسؤولوها في تقديم الأعذار والتبريرات الجاهزة ., وأحيانا ً التنظير , والكلام المحلّق الذي لا يفهم المواطن البسيط شيئا ً منه , أو عنه !!.
أحد المواطنين قال لنا بلوعة : أين أذهب , وما أحصل عليه من عملي اليومي الطارئ , لا يسد حاجتي , ولا يمكّنني من استئجار بيت غالٍ .. ثم ألا يكفي ما نعانيه , ونحن من أغنى الدول النفطية في العالم ... ترى ما فائدة الثروات
الهائلة إذا كانت لا تخدم أبناء البلاد ؟
مواطنة هي أم لثلاثة بنات صغيرات , قالت : لم يلتفت لنا أحد من المسؤولين , ولذلك اخترنا العراء , لنبني فيه بيتنا الصغير المهدد بالسقوط في أيّة لحظة , كي نقي أنفسنا التشرد ..
والكثير من المواطنين ذوي الدخل ( الطارئ ) تحدثوا لنا عن معاناتهم , وعن غلاء الإيجارات التي لا يستطيعون إيفاءها , فيما الدولة تكتفي بتسجيل أسمائهم , ووضعهم في رفوف التأجيل , بانتظار ما ستؤول إليه أمور الأمن والأمان والمشاريع الستراتيجية الكبرى !!
أحد مسؤولي وزارة الإسكان قال : أننا نحاول التخفيف من معاناة المواطن , ونسعى لبناء مجمعات سكنية , تضم أعدادا من الناس المحتاجين لذلك , ولكن لدينا أولويّات !!, وهذه الأولويّات تتعلق بالتخطيط المناسب لهذه المشاريع الإسكانية , التي تتطلب بنى تحتيّة مناسبة , ... وهكذا تبدأ دوّامة معادلة التبرير , والشرح والكلام , ولا أحد يقول ماذا فعلتم إذن طيلة السنوات الخمس الماضية ؟
سيهبّون علينا جميعا ليقولوا : أن الوضع الأمني لا يسمح لنا بالشروع في إنجاز المشاريع , فنقول لهم ولكنه يسمح لكم بالجلوس خلف الكراسي المتحركة , و أخذ الإغفاءة تحت مكيّفات الهواء المنعش , فيما الناس حولكم يتضورون جوعا وألماً وحاجة , وموتا يوميا .
أحد المسؤولين قال : أن المشاريع الإسكانيّة تحرّك أكثر من مائة مهنة , وبذلك سيقضى على الكثير من مظاهر البطالة التي جعلت أبناء البلاد الغنية – الفقيرة يئنون ألما ً , إذن لماذا لا تقيمون هذه المشاريع التي تحلّ أزمات ٍ , وليست أزمة واحدة , وستبعد أشباح الأمراض , والموت عن الكثير من سكّان المدن العائمة فوق الفقر والمصادفات , وعواصف الزمن , والركض خلف الحاجيات الإنسانية البسيطة بلوعة وأسى وألم ؟
لماذا يسكن بعض العراقيين مع الحشرات والجرذان , وفوق سواقي الدم والمياه الثقيلة والأزمات المتراكمة ؟
على المسؤولين , أن يتركوا التنظير , وادّعاء الاسترخاء , وعدم فهم المواطن البسيط لما يدور في خلجاتهم المترفعة , عليهم أن يعرفوا أنهم يساهمون في قتل آلاف الأبرياء , ولكن بالتدريج ..
ويبقى السؤال : متى تنتهي أزمة السكن , في بلد المتناقضات الجريح , بلد الأزمات والمحن والويلات ؟
الله كريم !!