|
منذر عبد الحر: السوق الذي تقع ساحته الجميلة في جبين ( سوق الحميدية ) , الذي يمثل أكبر سوق شاهدته في حياتي , هو سوق يدعى بسوق ( الحريقة !! ) , وهو اسم لا يخلو من تساؤل واستفزاز , لأن هذا السوق الذي يبدأ بمدخل من زهور , ويسوده الهدوء والزحام الدائم معا ًَ , لا يمتّ للحرائق بصلة , إلا وهو يحتدم , ويشهد صراع البورصة , التي تتوزع فيه , مكاتب , وأفرادا ً , يتعاملون بنزوات العملة , وصيرفتها وتحوّلاتها .
( سوق الحريقة ) في دمشق القديمة , يبدو للداخل إليه أول مرّة , متحف لحضارة قديمة , تمثّل أباطرة , وأمراء , وحكايات لا تنتهي , وأساطير , تشمخ مع شموخ الأبنية القديمة , التي تقتحم علوّها الطيور الباحثة عن سباقات فريدة في التحليق إلى الأعلى والمكوث على القمم التي , جعلها البنّاؤون مثابات تلويح للقادمين من بعيد , هم ينتظرون إشارة تصلهم , تنبئهم بوصول حوالة مصرفيّة , انتظروها على عتبات الأبواب الطويلة العالية , والسلالم الحجرية التي امتازت بها هذه البقعة من العالم , التي نعتقد أنها تسربت من التاريخ في غفلة من الزمن .
يبدأ السوق , من جبين سوق الحميدية , بل يمتد منه , ولا فاصل واضحا ً بينهما , إلا محلاّت بيع الجملة , التي تشهد حركة أقل من حركة السوق المكتظ دائما , بالروّاد من متسوقين إلى سيّّاح , إلى زائرين , للجامع الأموي , الذي يدهش في بنائه وموقعه وهندسته , وضمّه لمزار , رأس الحسين عليه السلام , حيث مهابة الموقع , وهو يفوح بالقداسة والتاريخ المتداخل المتشعب , ثم الوصول إلى ضريح القائد الشجاع صلاح الدين الأيوبي , وبعده إلى السيدة رقية , هكذا يجتمع التاريخ في إحاطة غريبة , يتدفق منها العبق والسحر والأسئلة المتلاطمة كأمواج , ليس لها قرار .
أما الجانب الآخر من سوق الحميدية , فهو لتجارة الجملة ومكاتب الشحن والصيرفة , والشركات الكبرى , وأظن هذا الأمر جعل اسم هذا السوق ( الحريقة ) , وهو الذي يبدأ بساحة دائرية , تتوسطها نافورة جميلة قديمة , من النادر أن يتوقف الماء في الانبثاق منها , والساحة محاطة بسور من الزهور المتنوعة ومصاطب الانتظار الإسمنتية الملّونة , التي تشير لانتظار جميل , ولإحساس عال ٍ برومانسيّة المكان , الذي لا توحي مداخله الأخرى ومخارجه , بأي رومانسيّة , لأنها في غاية الجدية والصرامة , التي تتوزع على لافتات المكاتب والشركات ومكاتب التحويل الخارجي , التي تشهد سيول القادمين إليها وهم ينتظرون ما جاءهم من البلاد البعيدة , كي يمدّ سبل حياتهم بالمزيد من أيّام التحمّل والصبر والانتظار , وفي السوق أذرعت , وفروع , تشير كلّها إلى تخصص جميل في نوع البضاعة المباعة بالجملة , فهذه خاصة لبدلات الزفاف , وتلك للألبسة الرجالية , وأخرى لألبسة الأطفال , وغيرها للملابس الداخلية الرجالية , وأخرى للملابس الداخلية النسائية , فيما تخصصت بعض المكاتب بالجوارب وتجارتها , فيما تخصصت الأخرى بالأربطة الرجالية , وهكذا , يجد الزائر ضالّته , فيما يسعى إليه ويطلبه ,
أما شركات المال والتحويل فمنتشرة في السوق بشكل لافت للنظر , حد أن أصحاب المحلات والمطاعم المحاذية للسوق , يعرفون هذه المكاتب واحدا ً ... واحدا ً , وسرعان ما يجيبون السائل عن موقع المكتب الذي يروم زيارته وتسلّم حوالته منه , ولعلّ المصرف التجاري السوري الواقع في مستهل السوق يمثّل شاهدة وهويّة على مجريات ما يحدث هنا ويشير إلى المكاتب الأخرى وأشهر هذه المكاتب , شركة الشيخ سالم , ومكتب سحلول للصيرفة , ومكتب الحفّار للحوالات , وغيرها , وهي مكاتب وشركات عرفت بأسلوب العاملين فيها , والمبني على دبلوماسيّة عالية في استقبال زبائنهم , إضافة , إلى محاولة تسهيل كافة الإجراءات التي قد تشعر الزبون بالملل والروتين .
ويفضي سوق الحريقة , بفروعه وأذرعه وزوّاره , من الجنوب إلى مرتفع يشكل مصدًا عاليا ً يشبه الجبل , ومن الشمال , بالشارع الرئيسي للمدينة , والذي يتواصل وهو يرسم أجواء ً قديمة , تنغز الذاكرة وتثير أشياء ً كثيرة , حيث المقاهي , والمطاعم الصغيرة , والمحلات المتنوعة والحشود البشرية التي لا تهدأ في هذه المنطقة الحيوية النشطة من مدينة دمشق الواسعة .
|
|